خذوا الحكمة من الأطفال

خذوا الحكمة من الأطفال
المصدر: خالد القشطيني

عزمت قبل سنين على اصطحاب عائلتي لقضاء كل عطلة سنوية في أحد البلدان العربية ليطلعوا على الأرض التي أنجبتهم. وكان العراق في أول ما زرناه في عهود أيام الخير. وبالطبع ذهبنا لزيارة العتبات الشهيرة. وزجني ولدي نايل في محنة. اعتاد في طفولته على الاعتزاز بحذائه. لا يخلعه خارج البيت مهما كلفه الأمر، حتى ولو اقتضى ذلك السبح والخوض في الماء. رفض نزع حذائه للدخول داخل قبة الضريح. لم يعد لي غير أن أبقى معه في منطقة صحن المسجد. ولكنني رأيت إحدى نوافذ القبة مفتوحة. حملته على كتفي ليتفرج على داخلها من الزخارف العجيبة من الخشب والفضة والذهب والعاج والمرايا. رأيته يفتح عينيه محدقا مبهورا بها. ضرب على صلعتي وقال: «بابا. أريد أن أدخل. سأنزع كوندرتي»!

وكانت أعظم تحية لروائع الفن الإسلامي يوم نزع نايل حذاءه مسحورا به.

ومن هنات نايل الأخرى اعتزازه بدمية أرنب صوفية. أطلق عليها اسم أرنب بيتر. كان يصاحبه أينما ذهب واعتبر أي شيء جميل وبديع في الدنيا يعود للأرنب بيتر. حتى إذا اشتهى آيس كريم كان يقول لي أن اشتري الآيس كريم لبيتر الأرنب. ثم يأكل هو الآيس كريم. وكان أن ضمت سفرتنا رحلة لمصيف سرسنك في كردستان العراق في أواخر الشتاء. كانت قمم الجبال ما زالت مكللة بالثلوج وقد احتضنت أزهار الربيع على الهضبات، تحيط بها أشجار الجوز والبلوط الخضراء. وتألق كل شيء بنور الشمس الدافئة. وكان هناك كوخ خشبي جلس على رأس جبيل صغير وسط هذا المنظر الخلاب. لاحظت نايل مشدوها بهذا المنظر. ولكنه ما فتيء حتى التفت إليّ وأشار للكوخ الخشبي وقال: «بابا، هنا يسكن الأرنب بيتر. هذا بيته. وهذا وطن الأرنب بيتر».

وكانت أعظم تحية سمعتها عن كردستان العراق.

ذهبنا بعد أشهر لمصر. ركبنا أحد المراكب السياحية للأقصر. تفرجنا على المعابد والآثار العجيبة. عدنا للقاهرة لنتجول في أسواقها القديمة ومساجدها التاريخية ونستمتع بكورنيشها ونيلها حتى حل موعد عودتنا للندن. جلسنا في الطائرة وأخذ آدم الصغير مكانه بجانب الشباك. ما انطلقت بنا حتى شد ناظريه على ما مرت تحتها من مناظر. القاهرة بمنائرها الشامخة وهذا النيل ينساب بزرقته بينها. لاحت بساتين واخضرار الدلتا وأخيرا شواطئ البحر الرملية العسلية اللون. تلاشت واختفت وراء زجاج الشباك وحلت محلها زرقة الماء، مياه البحر المتوسط. رأيت ولدي الصغير يطرق برأسه كئيبا نحو أرضية الطائرة أمامه. نظرت إليه فلاحظت الدموع تنساب من عينيه. وضعت يدي على رأسه: «مالك يا حبيبي»؟

«مصر راحت!». قال بصوت حزين.

«لا ما راحت. مصر ما تروح. ستة آلاف سنة ومصر ما راحت يا ولدي. مصر باقية ما تزول. ونرجع لها بالشتاء القادم إن شاء الله».

تهللت أسارير وجهه وكفكف دموعه وقال: «نرجع لها. ح ادعو من الله أن يأخذني لمصر. ح أقول له أحب مصر».

(الشرق الأوسط)
للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث