من المتواطيء مع المالكي؟

من المتواطيء مع المالكي؟
زهير القصيباتي

ساعات قليلة هي الفاصلة بين «كلمة السر» الإيرانية التي أعلنها الأمين العام لمجلس الأمن القومي الإيراني علي شمخاني بتأييد تكليف حيدر العبادي تشكيل الحكومة العراقية الجديدة، والهجوم الانتحاري قرب منزل الأخير، رغم إيحاء رئيس الوزراء نوري المالكي بدايةً بأنه استسلم للأمر الواقع.

المالكي الذي بدا لكثيرين من العراقيين صدام حسين آخر في تعامله مع مؤسسات الدولة والجيش والقوى الأمنية كأنها ملكٌ له، قد يعتبر أنه سقط ضحية لاندفاعة «داعش» ولسيطرة هذا التنظيم على نحو ثلث الأراضي العراقية. فلولا فضيحة استيلاء التنظيم على الموصل وتمدده سريعاً وتحضيراته لغزو بغداد، لما تخلت إيران عن حليفها المالكي الذي سجل نجاحاً باهراً في استعداء السنّة والأكراد وبعض الشيعة، وافتعال أزمات مع دول الجوار، واحتكر كل السلطات التنفيذية، وتغاضى عن نهب موارد البلد وتمدُّد أخطبوط الفساد.

لم يعد مهماً تعداد «مآثر» المالكي، لكنَّ العراقيين سيذكرون حتماً كم قُتِل وشُرِّد منهم في عهده، وكم استُنزِفت الدولة خلال ولايتيه، والأهم مقدار ما رُسِّخ من سياسة الاستبداد والتنكيل والاستعلاء على شعبه. والأهم بالمقدار ذاته ان الغطاء الإيراني الذي مُنِح له، أوهمه بالقدرة على سحق كل الخصوم في الداخل والخارج. لذلك، تبدو طهران شريكاً في كل ما شهدته حقبة ما بعد صدام، بل متواطئة إلى حد بعيد في سيناريو إبقاء العراق في غرفة العناية الفائقة… بلداً ضعيفاً، مؤسساته مهترئة، يحتاج دائماً إلى رعاية إيرانية، بالأحرى وصاية هي نسخة معدّلة للوصاية السورية على لبنان حتى عام 2005.

هل استسلم المالكي فعلاً للأمر الواقع، في مقابل ضمانات غير معلنة بمنع ملاحقته، أم أن اصابع له ستفتح «أبواب جهنم» التي هدد بها قبل أيام قليلة من تكليف الرئيس فؤاد معصوم، حيدر العبادي تشكيل حكومة؟ والحال أنه فاجأ كثيرين مجدداً، مصراً على وجود انتهاك دستوري في عملية التكليف، ومتجاهلاً الارتياح الإقليمي والدولي لبدء مرحلة جديدة في العراق، بما يسهّل تعاوناً متعدد الأطراف في التصدي لتنظيم «داعش» ودولته… ووقف تحطيم الحدود وتهجير أقليات، وموجات الرعب التي تهجّر مئات الآلاف على امتداد بقعة سيطرة التنظيم في العراق وسورية.

وإذ يصر المالكي على تحدي تكليف العبادي، فالسؤال هو ما إذا كان ينتظر من المحكمة الاتحادية حفظ ماء وجهه، حتى إذا أقدمت على تثبيت دستورية التكليف تذرّع الأول برضوخه للدستور لا لرغبة الأميركيين ولا الإيرانيين. وإلى أن تطوي المحكمة هذا الإشكال الذي اخترعه رئيس الوزراء، سيبقى قائداً للقوات المسلحة التي دعاها إلى عدم التدخل في تداول السلطة، لكن الواقع أن بغداد ما زالت في أجواء «انقلاب».

لم يعد كثيرون يذكرون جلسة التوبيخ التي عقدها وزير الخارجية الأميركي جون كيري مع المالكي في بغداد، لإبلاغ رئيس الوزراء أن طيشه في استعداء السنّة والأكراد، سهّل لـ «داعش» الانقضاض على الموصل وتكريت وإظهار القوات المسلحة واهنة أمام مسلّحي التنظيم وميليشيات أخرى. والأكيد أن واشنطن ولندن تريان في تهجير «داعش» الإيزيديين بعد المسيحيين، سبباً كافياً لتجاوز الدولة العراقية في تسليح الأكراد.

في المقابل، ما زال لغزاً ذاك التهديد الإيراني بالتدخل في العراق ضد «داعش» ثم التراجع، وعجز طهران والجيش العراقي عن وقف تقدم التنظيم وتهديدات «الدولة الإسلامية». وإن لم تعد سراً تكهنات بتفاهمات إيرانية- أميركية تشمل إعادة ترتيب أوضاع دول في المنطقة، تعصف بها الأزمات وتضربها فصائل التطرف، ضمن إجراءات لبناء الثقة بين طهران وواشنطن تدريجاً، كلما صيغت بنود جديدة في الاتفاق النووي المرتقب… فالواقع ان إيران خامنئي المتلهفة على الاتفاق، تتصرف كأنها تريد من العراقيين وسواهم ما يمنحها مبرراً للعدول عن سياسات استمرت لأكثر من عقد. في وجهها الآخر هي نهج تدخل في شؤون دول كرّس رياح المذهبية وزرع بذوراً كثيرة لصراعات طائفية.

بين العراقيين مَنْ يؤكد أن للمرجع الشيعي علي السيستاني الفضل الأول في إقناع طهران برفع الغطاء عن المالكي وغطرسته، بعدما بات وجود العراق مهدداً، ووحّدت ممارسات رئيس الوزراء السنّة والأكراد، وباتت ورقة انفصال كردستان نقطة تقاطع مصالح بين إيران وتركيا، توحدهما في منع شرذمة العراق.

صحيح أن بين المتشائمين مَنْ يعتبر ان «حزب الدعوة» سيبقى الحاكم الفعلي للعراق، ولو تغيَّر اسم رئيس الوزراء، لكن الصحيح ايضاً أن خوض مواجهة واسعة مع «داعش» انطلاقاً من بلاد الرافدين، بات الأولوية الأولى إقليمياً ودولياً، وهو مصلحة للغرب وواشنطن. في المقابل قد تكون إيران سلّمت اخيراً بأن نار التطرف لن تبقى على حدودها، وبأن زمن إدارة «الهلال الشيعي» ودوله بالريموت كونترول ولّى، ولن يعود… وسلّمت بأن سنوات من استقطاب الشيعة العرب باسم الدفاع عن مصالحهم، كانت بين بذور الانشقاق المذهبي ورياح الفتنة، ووقوداً فاعلاً في حرب «داعش» وأخواتها.

بين إطلالة الرئيس الإيراني السابق محمود أحمدي نجاد فاتحاً، في بغداد، وانتصار «داعش» في الموصل وتكريت، سنوات قليلة، هزت العراق والمنطقة، وأسقطت حدوداً، ومعها ربما مشروع امبراطورية الوصاية.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث