مدن الصيف: مدن البلابل

مدن الصيف: مدن البلابل

سمير عطا الله

فيما أبحث في الذاكرة عن مدن أخرى ومواضيع أخرى، وربما عن منسيات أُغفلت، أكتشف أن بعض المدن مثل تغريد البلابل. لا جديد فيها ولا إثارة وإنما جمال متكرر.

لا جديد في أوتاوا ومونتريال وتورونتو. نغم هادئ. يأتي البلبل إلى نافذتك هذا المساء ويردد، حرفيا، نغم الأمس. لكنّه يسحرك بحيث لا تطلب منه أن يغير ثانية واحدة. تصمت خوف أن يفزع وتردد في داخلك معه «غني، أحبك أن تغني، وتحدث الأطياب عني».

تتشابه المدن الرقراقة التي لا ضجيج سياسيا فيها، ولا صخباً ولا قلقاً. مثل أوتاوا، مثل جنيف، مثل لوزان، مثل كارديف (ويلز). مدن في هدوء القرى. القطارات في مواعيدها، وسيارة النظافة قبل طلوع الفجر، والناس إلى أعمالها بلا تأفف، وأبواب المحلات لا تغير مواعيدها دقيقة واحدة، والمحاكم خالية من «قضايا العصر»، ولا عناوين مثيرة في الصحف، والناس تشتري الجرائد غالباً لأنها تبحث عن شيء ما في الإعلانات المبوبة.

تحب هذا النوع من المدن كثيراً لكنك لا تستطيع أن تشرح لماذا، لا لنفسك ولا لغيرك. لا برج إيفل ولا متحف اللوفر ولا تاريخ بريطانيا على طرقات لندن، ولكن ثمة دورة حياتية كاملة تتكرر بدقَّة ممتعة مثل أمثولة العندليب التي لا يعرف سواها. ولماذا يعرف ما دامت تمنحه أفضل ما يريد. أو كل ما يريد. إنه يعيش على الشجر ويغني لها ويحلِّق بينها من واحدة إلى أخرى، يرافق فصولها من مكان إلى آخر.

هناك مدن مثل حقول البلابل وأنها لا تريد شيئاً آخر. مدن متصالحة مع نفسها، وبالتالي، مع الجميع. لا تنطفئ فيها الكهرباء ولا تذهب إلى الإضراب ولا تعرف التمييز من أي نوع ولا تريد أن تغيِّر إيقاع العالم وشكل الأرض.

وضعت جان موريس، أفضل أو أجمل كاتبة أسفار، مؤلفاً ساحراً آخر عن تريستا، المدينة الإيطالية على بحر الأدرياتيك عنوانها «تريستا ومعنى اللا مكان». في استفتاء شهير قال 70 في المائة من الإيطاليين إنهم لا يعرفون أن المدينة تقع في بلدهم. ذهبت إليها مع عائلتي عام 1990 ووجدنا أن السفر في اليوم التالي سوف يكون مثاليا. لكن جان موريس وجدت مادة لـ200 صفحة ممتعة من الانطباع والحكاية والخبر. أيها أجمل الرسم بالريشة أم الرسم بالكلمات؟ ها هي جان موريس تستعيض عن الألوان والريشة والقماش، وتنقل عن البلابل لحناً يتكرر لكن بأداء فرقة كاملة من جميع الطيور المغردة.

كم كنت أتمنى لو أن بيروت مثل مونترو، رتيبة وصغيرة ولا يريد أحد المجيء إليها. حتى قاطنها الأشهر فلاديمير نابوكوف كنت أراه كل يوم في فندقها وما عرفته. كنت أعتقد أنه مجرد سويسري آخر يصعد مع البحيرة طلبا للمزيد من الهدوء.

إلى اللقاء..

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث