مدن الصيف: شبح بجلد أبيض

مدن الصيف: شبح بجلد أبيض

سمير عطا الله

طويلة رحلات البحر والقطار. في الباخرة هناك وسائل مختلفة لتقطيع الوقت وتناسي هذا الفضاء الأزرق، السقف والسطح، الذي لا حدود له، أما في القطار فالحوار مع الجيران هو الوسيلة الأخرى، بعد تأمّل الطبيعة والمراعي والطرقات وقراءة أسماء المحطات التي تمر بها في نعاس الليل أو حيوية النهار.

كل إنسان تتعرف إليه هو عالم مستقل. عالم جديد. كائن مليء بالحكايات والأشياء والتجارب التي يريد أن تسمعها لكي يسمع منك حكايات بلدك وخططك في الحياة، ومن سوف تُصبح ذات يوم.

في الماضي كان يسمّى ذلك «الاتصال الأول» عندما كانت هناك شعوب تعتقد أنه ليس من غيرها على الأرض. عندما جاء الرجل الأبيض إلى أستراليا بحثا عن الذهب ظن السكّان الأصليون أنه شبح، لأنهم كانوا يعتقدون أنهم بعد الموت يعودون إلى الحياة بجلد أبيض.

وعندما وصل الرحالة الشهير توماس كوك إلى هاواي العام 1778 اعتقد أهل البلاد أنه الإله «لونو» الخالد وأن سفينته جزيرة متحركة.

يبدأ الناس في نقطة ما غرباء، ثم يتعارفون. الآخر في العربية هو «الأجنبي»، أي الذي يجب تجنبه والحذر منه. وفي الألمانية هو «من خارج البلاد». والعرب يقولون الغريب، بمعنى القادم من الغرب. أو يقولون الأعجمي لأنه يرطن بالعربية ويشوّش ألفاظها.

لكن في السفر الجميع غرباء «وكل غريب للغريب نسيب». والإنسان كائن لا يطيق الوحدة، فيقضي العمر خارجا منها وخارجا عليها. لذلك، يعاقب السياسيون العرب خصومهم بالزنازين ويمنعون شعوبهم من السفر، إلى أن يأتي يوم يغادرون جميعا دفعة واحدة، كما حدث في ألبانيا وألمانيا الشرقية بعد سقوط الشيوعية. كان أنور خوجا يمنع الألباني من الخروج والغريب من الدخول. ليس أذل على الشعوب أكثر من شعورها بأن خيارها واحد: إما زنزانة ضيقة أو سجن وسيع.

في النظام – أو التركيبة – اللبناني علل كثيرة وخلل فائض. لكنني لا أذكر أنه فُرِضَ علينا يوما منع السفر، أو قيل لنا سافروا، لكن ليس مسموحا لكم بأكثر من عشرين جنيها، مصريًا أو ليبيًا. تخيّل بلدا في ثروة ليبيا والعراق يقول لمواطنه لا تسافر ذليلا مذلولا.

خمسون دينارا حدا أقصى، وسيف الإسلام يصل إلى سان تروبيه على يخته، وشقيقه يذهب للدراسة في فيينا ومعه نمره. تعترض بلاد الإمبراطور فرانز جوزيف ثم تذعن.

المصالح تحول النمر إلى هرة. نمر في الجامعة إرضاء للمناضل الشعبي الاشتراكي الجماهيري، ومواطنوه مسموح لهم بخمسين دينارا بعد موافقة الداخلية والخارجية واللجان والبنك المركزي. عُد الأسبوع المقبل.

تطلع الفينيقي في بلده فوجده صغيرا مغلقا بالجبال العالية، فاخترع المركب وركب البحر.

ورأى تجارته تزدهر فاخترع الأبجدية. كان يسافر أميرا من أمراء البحر فصار يسافر الآن هائما من هوامه. أسعدني أنني سافرت كاتبا ومدوّن انطباعات ومشاهدات ودفتر ذكريات. ولفترة طويلة كان القطار حصاني في السهول والمدن وأعالي جبال البيرينيه في الطريق من فرنسا إلى إسبانيا.

إلى اللقاء..

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث