مدن الصيف: رفيق من أرمينيا

مدن الصيف: رفيق من أرمينيا
المصدر: سمير عطالله

موسكو 1972، إحدى أكثر مدن العالم أمانًا، بل ربما أكثرها. لذلك رحت أعبر شوارعها العريضة مشيًا، في الليل وفي النهار. وكان يساعدني على ذلك، بصورة عفوية، أنه من الصعب العثور على تاكسي، في الليل أو في النهار. فإن سيارات «موسكوفيتش» القاسية غير المريحة تصبح بعد بضعة أيام أُمنية من الأمنيات حتى بالمشاركة مع ركاب آخرين. وقد توقفت لي إحدى السيارات مرة بعد يأس مديد، وكان إلى جانب السائق رجل بدا أنه رئيس المدرِّبين في معهد المصارعة الحرَّة. لكن من ذلك الرجل الضخم برز إنسان لطيف. كل ما فهمته منه أنه من أرمينيا، وكل ما فهم مني أنني من لبنان. وراح يحكي ورحت لا أفهم شيئًا. لكن خُيِّل إليَّ أنه يدعوني إلى العشاء في مطعم أرميني. وعندما وصلنا إلى الفندق هممت بأن أدفع الأجرة عنه وعني، فرفض، وأصرَّ على الرفض، فمضيت أصرَّ بدوري لمعرفتي بمستوى الرواتب في البلاد، وعندها هدد باستخدام أحد ساعديه، فشكرته وطلبت منه الانتظار أمام الفندق لأنني سأحضر له ربطة عنق. أسرعت إلى غرفتي ولما عدت وجدت أن الأرميني وسائق الـ«موسكوفيتش» قد أكملا الطريق.

عندما شكوت للسفير نعيم أميوني أن هذه العاصمة التاريخية تشكو من النقص في كل شيء، شرح أن هذه دولة ليست مقامة للأفراد. إنها التاسعة في إنتاج السيارات في العالم، لكنها الأولى بأشواط في إنتاج الباصات، الثالثة في الشاحنات.

كنت قد شعرت منذ فترة أنني ألاحظ شيئًا مهمًا، لكنني لا أعرف ما هو. وعندما قال نعيم أميوني إنها ليست دولة أفراد حزَّرت فورًا بما لاحظت. هذه المدينة الكبرى لا أسماء فيها ولا أضواء نيون ولا شركة الأخوين أندروبوف لبيع الدراجات. وكل شيء هنا ملك للدولة التي يُفترض أنها ملك للشعب. لكن الزعيم بريجنيف كان يملك أكبر مجموعة من سيارات الـ«فيراري»، تنافس مجموعة عدي صدام حسين.

لا أسماء، لا ألوان، لا واجهات. وللأجانب مخزن خاص يشترون منه ويحسدهم الروس على ذلك، أمَّا المواطنون فيقفون في ثلاثة طوابير أمام مخازن الدولة، واحد لاختيار المواد، وواحد لحملها، وواحد لدفع الثمن. صدئت الماكينة السوفياتية قبل أن تبدأ في العمل. ثمة مجد كثير في هذه المدينة، لكن لا فرح. كنت أظن أن لا وقت للابتسام، لكن ها أنا أكتشف أن لا سبب لذلك. ترى هل يحب إنسان الأمان حقًا لقاء كل هذا الخوف وكل هذه القلَّة وكل هذه الطوابير؟

في المرحلة الناصرية امتلأت مصر، كالعادة، بالنكات حول طوابير التموين، وتحول تعب الانتظار إلى ضحك. ليس هنا. موسكو لا تضحك.

إلى اللقاء..

*الشرق الأوسط
للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث