مدن الصيف: لماذا القطار؟

مدن الصيف: لماذا القطار؟

سمير عطا الله

دخل على وسائل السفر المتَّبعة طارئ غير لطيف. بعد نحو سبع سنين على الرحلة الأولى في طائرة شحن، وقع لي حادث خلال رحلة عربية، أيضا بطائرة ذات محركات. فقبل الهبوط تمنعت عجلاتها عن النزول.

وكان الطيار شجاعًا، والمضيفون كانوا مثلي. فعندما طلبت شربة ماء والطائرة تلف حول مطار الوصول، نهرني المضيف بيده، فانتهرت. وكان إلى جانبي راكب مصري من سكان المنطقة، فلما لاحظ من النافذة أننا تجاوزنا المطار ولم نهبط، نهرني بكوعه وقال: «اللَّه، إحنا عدّينا ليه»؟

لم أجبه لكي لا تصبح حاله مثل حالي. لكن عندما عدنا نحلِّق فوق المطار من جديد، ثم نعدّيه من جديد، لكمني بكوعه صارخًا وكأنني الطيَّار: «دي فُسحة مش لطيفة خالص». وبقيت الجملة ترنُّ في أذني طول العمر.

لكن بعد نحو 20 دقيقة، أشفق الله علينا فنزلت العجلات، ونزلنا، وبقيت الصدمة عالقة في صدري.

في هذه المرحلة لم يعد السفر مغامرة شبابية، بل أصبح مهنة وتقدمًا. من دون أن أدري، صنعت لنفسي «اختصاصًا» بين الزملاء، وهو أنني الصحافي الذي يكتب من الخارج، بينما هم خلف مكاتبهم. منعني الخوف من ركوب الطائرة، ولكن البواخر كانت لا تزال تُبحر من بيروت إلى إيطاليا كل أسبوع، فتصل إلى الإسكندرية بعد 24 ساعة، وتتهادى صوب نابولي نحو ثلاثة أيام، ويمر المتوسط الأزرق بطيئًا، وكل يوم تقدم لك الدلافين الرقَّاصة في عرض البحر عرضًا بهلوانيًا ممتعًا، كأنها فرقة راقصة مكلَّفة من شركة السفر.

من نابولي تستقل القطار إلى روما. وفي روما تعثر على فندق صغير فوق درج الإسبان اسمه «الإنترناسيوناليس» صاحبته سيدة تفاقم شيبها. وبعد مباهج روما، القطار إلى باريس، أربع وعشرون ساعة من رتابة السكة الجميلة والنوم المتقطِّع والحوار مع جيران الدرجة الثانية.

ثمّة قربى طوعية وفورية تنشأ بين ركاب الدرجة الثانية. يبدأون بتبادل الكلام حتى قبل التعارف. يضع المسافر حقيبته على الرف فوق مقعده، وقبل أن يجلس يكون قد عثر على ما يبدأ به محادثة تطوي الوقت.

الأماكن المغلقة تولد الصداقات المفتوحة. هكذا على الباخرة أيضًا. وعندما تترجل منها إلى اليابسة، يودعك رفاق الطريق المكملون رحلتهم بدفء ومحبة، ويظلون يلوِّحون لك من فوق الدفَّة وأنت تجرجر حقيبتك على رصيف الميناء، لا هم يعرفون إلى أي حياة تمضي، ولا أنت تعرف لماذا تنتهي القصص الجميلة بهذه السرعة. أحيانا، البحر ليس بطيئًا.

وقعت في مشكلة السفر البطيء، لكنني دخلت عالم القطار الهادئ. ترى كل ما تمر به من بيوت وشوارع وأضواء ناعسة وسهول وحقول. ترى وجوه الناس وتعدد البشر والطباع والطبقات. بطيء وجميل عالم القطار.

إلى اللقاء..

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث