انقضى زمن مركزية الدور المصري!

انقضى زمن مركزية الدور المصري!

خالد الدخيل

تؤكد الحرب الإسرائيلية على غزة، وهي تدخل أسبوعها الرابع، ثلاث حقائق: أن الطرف العربي في الصراع مع الدولة العبرية، في جانبه العسكري، لم يعد ممثلاً في الدول العربية وإنما في تنظيمات وفصائل عسكرية غير خاضعة لهذه الدول. كانت حرب أكتوبر 1973 آخر الحروب بين إسرائيل ودول عربية. بعد ذلك، ومنذ 1978 وحتى الآن، صارت الحرب مع تنظيمات مقاومة، أبرزها «حماس» و «الجهاد الإسلامي» و «حزب الله» اللبناني. الأخير تبيّن أنه يستخدم شعار المقاومة غطاء لدوره كذراع عسكرية لإيران، وهذا ما اتضح بعد تخلي الحزب عن دوره المقاوم منذ 2006، وتحوله إلى ميليشيا تقاتل إلى جانب النظام السوري ضد الشعب السوري.

الحقيقة الثانية أن «جيش الدفاع» الإسرائيلي كان في استطاعته حسم المعركة مع الجيوش العربية الرسمية، لكنه في مواجهة تنظيمات المقاومة لا يستطيع أن يحقق النتيجة نفسها. هو أقوى جيش في المنطقة، يملك قوة تدميرية هائلة، يمارس التدمير، ويرتكب المجازر بتعمد وتخطيط مسبق، لكنه لا يستطيع أن يفرض حقائق سياسية على الأرض. والحقيقة الثالثة التي تهمنا أكثر من غيرها هنا، وهي ليست جديدة تماماً، أن الحرب أكدت أن ما يقال عن مركزية الدور المصري في النظام الإقليمي العربي، وتحديداً في الصراع العربي – الإسرائيلي، هو من نوع الشعارات القديمة.

يمكن القول إن مركزية الدور المصري مرت بمرحلتين، مرحلة محمد علي في القرن الـ19، وهذه خارج حدود موضوعنا هنا، ومرحلة جمال عبدالناصر. استمرت المرحلة الأخيرة ما بين 1956 (سنة العدوان الثلاثي) إلى هزيمة حزيران (يونيو) 1967. ما بعد ذلك تغير المشهد الإقليمي، وبدأت المركزية المصرية رحلة التراجع. انتقلت إسرائيل من مرحلة الدفاع إلى مرحلة الهجوم والضغط.

كان حجم الهزيمة كبيراً، لكنه لم يكن العامل المباشر والأهم الذي وضع حداً لمركزية الدور المصري. كانت الهزيمة نتيجة، ولم تكن سبباً في هذا الإطار. ما فعلته أنها كشفت هشاشة المعطيات المحلية والإقليمية للدور المصري. لم تكن الهزيمة عسكرية فقط. كانت هزيمة سياسية موجعة لنهج ودور كان الجميع يعلق عليهما آمالاً كبيرة.

وبمقدار ما كشفت الهزيمة حقيقة الدولة في مصر، وحقيقة دورها وأسلوب اتخاذ القرار فيها، إلا أنها كشفت أيضاً حقيقة الوضع السياسي العربي برمته. وبالتالي لم يكن من الممكن تفادي تداعيات كل ذلك على الدور الإقليمي لمصر. ربما كانت زيارة الرئيس أنور السادات القدس عام 1977، واتفاقية كامب ديفيد التي أفضت إليها عام 1979، هما آخر محاولة لتأكيد مركزية الدور المصري. لكنهما لم تنجحا في ذلك. لا العرب قبلوا بهذا الدور حينها، ولا حتى إسرائيل سمحت لمصر بأن تستخدم الاتفاقية لإعادة مركزية دورها في المنطقة.

كانت إسرائيل في عهد مناحيم بيغن تنظر إلى الموضوع من زاوية أخرى: أن مبادرة السادات تنازل ناجم عن التعب والإرهاق، وأنه غير مشروط بتنازل مقابل، وأنه في الأخير تنازل لا يمثل إلا مصر وحدها. لذلك، لم تقدم إسرائيل للسادات أي تنازل في الموضوع الفلسطيني، ولا حتى السوري أو اللبناني. كان هدف إسرائيل ولا يزال توظيف المبادرة لتثبيت الدور المصري في هذا الإطار، أي عزل مصر عن الصراع وإخراجها من المرحلة الناصرية تماماً. منذ ذلك التاريخ استمر الدور المصري في التراجع ليصبح نوعاً من المأزق لمصر وللعرب أيضاً.

مؤشرات تراجع الدور المصري كثيرة، منها أن مصر فقدت الريادة في مجالات الثقافة والفن والسياسة التي تمتعت بها في العهد الملكي، وامتدت إلى عهد عبدالناصر وبداية عهد السادات. وهو امتداد كان له شكل التراجع المتدرج. كان العالم العربي يغط في سبات ثقافي وتعليمي واضح. منذ 1970 بدأ العالم العربي يخرج من هذا السبات. واللافت أن مصر بدلاً من أن تطور وتعمق ريادتها، كانت دخلت حالاً من الجمود السياسي والثقافي والتعليمي ترافق معه تدهور أوضاعها الاقتصادية. بعد الطفرة النفطية برزت القوة المالية للسعودية ودول الخليج العربي، وما ترتب عليها من نمو في مجالات الاقتصاد والتعليم، وثورة في بنيتها التحتية. بالتوازي مع ذلك برزت القوة السياسية للعراق وسورية.

المؤشر الثاني أنه في هذا الإطار، وامتداداً لآثار هزيمة يونيو ومبادرة السادات، تراجع دور مصر لتصبح وسيطاً في الصراع العربي – الإسرائيلي بعد أن كانت طرفاً وازناً يحدد طبيعة الصراع ووجهته. المؤشر الثالث أن انهيار العراق وسورية لم يضف إلى قوة مصر.

على العكس، وهذه مفارقة كبيرة، أضاف إلى إيران قوة ونفوذاً. ومما له دلالة في هذا السياق انتقال سورية من كونها الإقليم الشمالي لما كان يعرف بـ «الجمهورية العربية المتحدة» إلى مرتع للنفوذ الإيراني في الشام، فضلاً عن العراق. المؤشر الرّابع هو التراجع الاقتصادي المخيف لمصر. باتت «أم الدنيا» تعتمد في دخلها على إيرادات السويس، والسياحة، والمعونات الخارجية.

الواقع السياسي العربي القائم حالياً، ومصر في القلب منه، يمثل المؤشر الخامس، وهو واقع يعيش حالياً تحت ظلال أربعة: الرمح الإسرائيلي في الشام وعلى تخوم وادي النيل، ونفوذ إيراني في العراق والشام، ومظلة أمنية أميركية في الخليج العربي والعراق، وتهديد تنظيمات عربية «جهادية» عابرة للدول يمتد انتشارها من مشرق العالم العربي إلى مغربه. ولعله من الواضح أنه لا يمكن دولة التصدي لدور مركزي وهي جزء لحال سياسية مثل هذه.

لماذا انتهى الدور المصري إلى هذه الحال؟ على رغم إرثها الطويل مع الدولة، وغناها الاجتماعي والسياسي، وأسبقيتها في دخول العصر الحديث، إلا أن مصر لم تنج في الأخير من مأزق الحكم الذي يعاني منه العالم العربي. بل كانت لمصر مساهمة كبيرة في تعميق هذا المأزق من خلال انقلاب 1952. صحيح أن هذا الانقلاب تحول إلى «ثورة»، إلا أنه تبين في الأخير أنها كانت ثورة منقوصة أو مشوهة، لم تتجاوز حدود إصلاحات اجتماعية واقتصادية: تحسين الأوضاع الاقتصادية لطبقات العمال والفلاحين، والاعتراف للمرة الأولى بأهمية الطبقة الوسطى، ورفع القيود المتوارثة أمام نموها ومساهمتها في القطاعين العام والخاص. لم تمتد حدود هذه الإصلاحات الكبيرة في حينها لتصل إلى الاعتراف بالحقوق السياسية لتلك الطبقات. نتيجة لذلك، بقيت السلطة السياسية، وظل القرار السياسي، ومعه بقيت علاقة الدولة بالمجتمع كما كانت عليه تقريباً قبل الانقلاب المشوب بثورة.

الأمر الذي سمح بتراكم سلطة الجيش، ونمو حجمه ديموغرافياً واقتصادياً ليصبح طبقة سياسية ترى أن من حقها الاستئثار بالسيطرة على الدولة. وقد تبين أثر ذلك في ثورة يناير، وما أعقبها من عودة الجيش للإمساك بالدولة مرة أخرى. في ظل هذه المعادلة السياسية انتشر الفساد، وتدهورت الأوضاع الاقتصادية إلى درجة أن المصادر الأساسية للدخل القومي في مصر باتت كما أشرت محصورة في ثلاثة: السياحة، وقناة السويس، والإعانات الاقتصادية من الخارج، ما يعني أن القرار السياسي المصري أصبح عرضة لتأثيرات الخارج بتوازناته ومصالحه بمقدار تأثره بعوامل الداخل. وفي هذا لم تعد مصر تملك من المميزات ما يمنح دورها صفة المركزية، أو الريادة في العالم العربي.

بقيت في هذا الصدد الإشارة إلى تعبير شائع عربياً، يقول إنه «لا حرب من دون مصر، ولا سلام من دون سورية». ولو تأملت في هذه المقولة قليلاً لتبين لك أنها مقولة جوفاء، ليس لها أدنى نصيب من الواقع التاريخي. هي مقولة نثرية بنفس شاعري، تستند إلى بلاغة اللغة وإلى مبالغة في المجاز وتضخيم للذات غير مبرر.

فمنذ نهاية حرب أكتوبر 1973 حصلت ست حروب إسرائيلية لم تشارك مصر في أي منها. معركة الليطاني عام 1978، واجتياح لبنان واحتلال عاصمته عام 1982، وحرب إسرائيل على لبنان 2006، ثم حروبها على غزة 2008، و2012، والحرب الحالية. أما القول إنه «لا سلام من دون سورية» فلا يقل خطلاً. لأن الذي يرفض السلام بسورية أو من دونها هو إسرائيل (انظر مقالة الأسبوع الماضي).

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث