عيد الصغير وعيد الكبير

عيد الصغير وعيد الكبير

ما يحمله العيد للصغار هو الألعاب والحلويات والذهاب للسينما ونحو ذلك. ولكن ما يحمله العيد للكبار هو الذكريات. وأول ما نتذكره هو ما علينا أن ندفعه من الفلوس. يكون الأب قد وضع على الرف كومة من الفلوس. هذه أولا خمسة دراهم للمسحراتي الذي واظب طوال رمضان على ضرب الطبول.

وهذه خمسة دراهم للزبّال ومثلها للكنّاس والجرخجي. ينفجر الجدال. لماذا للجرخجي؟ في شهر رمضان لا يوجد حرامية. لماذا نعطي فلوس لحارس يحرسنا ليلا؟ وترد الوالدة، عيني.. هذا الرجل السنة كلها بندقيته على كتفه ويصفر بصافورته طول الليل. يعني ما يستحق شوية من فلوس الفطرة؟

وهذا تقليد آخر. تقليد الفطرة الذي تشارك فيه الشعوب الإسلامية. وهو المبلغ الذي يستحق على كل عائلة لدفعه للفقير وابن السبيل. وكما أعد الناس أنفسهم في شهر شعبان للصوم، يأخذون بإعداد أنفسهم في شهر رمضان للفطور في العيد، كنا ننهض في العراق في آخر ليلة لتناول سحور مختصر اعتدنا على تسميته بسحور اليتيمة، باعتباره سحورا لا يليه صيام.

لم نكن نستطيع النوم في تلك الليلة، انتظارا لصباح العيد. لا نرى النور إلا ونهرع لأبوينا، نقبل أيديهم ونتسلم عيدياتنا ونهرع للبس ملابس العيد. فيبدأ الضجيج. هذا بنطلونه لا يتسع لرجله، وذاك أكمام سترته أطول من ذراعه، والمحروسة ليلى كندرتها ضيقة. تبدأ بالبكاء ويبدأ أخوها بالاحتجاج على لون قميصه. ولكنهم سرعان ما يحلون مشكلاتهم وينطلقون، ركضا إلى الفرجة، ساحة الألعاب، فرجة شيخ عمر أو شيخ معروف، حيث العربات والحمير والبغال في انتظارنا. نركب من دون حساب ومن دون سؤال. وننطلق بالتصفيق والأهازيج: يا عيد يا أبو النمنمة، خذني وياك للسينما! ويا عيد يا أبو المراية، خذني وياك مشاية! نجلس في السيارة ونغني للسائق: هذا سايقنا الورد، هسه يوصلنا ويرد!

ننزل من الحمير والبغال والعربات، ونركض إلى الملاعيب. دولاب الهوا، والمراجيح. تحل الظهيرة ويكون الجوع قد حل ببطوننا. ولكن هيهات أن نعود للبيت أو نأكل أكل البيت. إننا في أيام عيد! نهرع لمنقلات الكباب والكبدة وطنجرات الكبة واللفت ولفّات البيض وأبيض وبيض. والطرشي المملح وحلاوة التمر. نأكل من دون حساب ومن دون تفكير. المعدة معدة شباب والدنيا دنيا خير والأيام أيام حلوة. لم يسمع أحد بداعش والقاعدة والنصرة. أيام خير وسلام. لم يقلق أحد علينا أو يسألنا وين رايحين. تخلص عيدية الوالد، تأتي عيدية الخال والأخ الكبير وجارتنا النصرانية أم جوزيف. والعالم خير وأمان.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث