إذا بوّق الملاك ضدّ… «حماس»!

إذا بوّق الملاك ضدّ… «حماس»!
المصدر: صبحي حديدي

للممثل الكوميدي السوري الراحل نهاد قلعي (أو حسني البورظان، كما يعرفه الجمهور) عبارة مأثورة ذهبت مثلاً: إذا أردنا أن نعرف ماذا في إيطاليا، فينبغي أن نعرف ماذا في البرازيل! وللمرء أن يقتبس روحية هذا التناظر الساخر، على النحو التالي: إذا أردنا أن نفهم ما يجري في فلسطين، الضفة وغزّة معاً، أو في سوريا، أو في العراق… فينبغي أن نعرف ما يجري، حول ماضي وحاضر ومستقبل هذه الساحات، في… ستوديوهات القناة الأمريكية!

وهذه واحدة من قلاع ماريون غوردون (بات) روبرتسون، مؤسس وزعيم «التحالف المسيحي»، أكثر الحركات القاعدية نفوذاً في الشارع الشعبي الأمريكي المتدين، وبين الأشدّ سطوة في التأثير على الساسة الأمريكيين. ولا تنخرط القناة، هذه الأيام، في أية مهمة روحية ملحّة، ودائمة، مثل انخراطها في الصلاة لراحة «الإسرائيليين الأبرياء» الذين تحاصرهم «صواريخ الإرهاب الفلسطيني»؛ ولا يضرع مذيعوها ومذيعاتها بدعاء إلى الربّ، مثل ذاك الذي يتشوق إلى «انتصار إسرائيلي ماحــــق»، يسحق «حماس» نهائياً؛ أو، على الأقلّ، يبيد ثلث قوّتها، حســــبما جاء في «رسالة من الربّ»، تلقاها الواعظ الشهير بيني هين في واحدة من مناماته الإعجازية (ولا مزاح هنا، البتة، لأنّ الأخير قصّ رؤياه هذه على الملأ، خلال لقاء متلفز مع روبرتسون نفسه!).

وحين صار تنظيم «داعش» على كلّ شفة ولسان في الولايات المتحدة، بعد اجتياح الموصل، خرج روبرتسون على شاشاة القناة وأعلن ـ مراهناً على قصر ذاكرة مستمعيه، إذا توفّر بينهم مَنْ يتذكّر أصلاً ـ أنه كان السبّاق إلى تحذير الرئيس الأمريكي السابق، جورج بوش الابن، من مغبة غزو العراق: «ما كان ينبغي لنا أن نذهب إلى ذلك البلد. ومهما بلغ سوء صدّام حسين، فإنه تمكن من ضبط تلك الأجنحة المتحاربة واحتوى أولئك الإسلاميين الراديكاليين».

لكنّ العكس، تماماً، كان الموقف الذي اتخذه روبرتس، خلال الأشهر التي سبقت غزو العراق؛ و«التحالف المسيحي»، أسوة بغالبية المسيحيين الأصوليين في أمريكا، اعتبروا احتلال بــــلاد الرافـــدين تمرينـــاً تدريبياً يمهّد لما جاء في رؤيا يوحنّا اللاهوتي (9: 14 ـ 15): «ثمّ بوّق الملاك السادس فسمـــعتُ صوتاً واحداً من أربعة قرونِ مذبح الذهب الذي أمام الله.

قائلاً للملاك السادس الذي معه البوق فُكّ الأربعة الملائكة المقيّدين عند النهر العظيم الفرات. فانفكّ الأربعة الملائكة المعدّون للساعة واليوم والشهر والسنة لكي يقتلوا ثلث الناس»!

لا مزاح، البتة، هنا أيضاً، لأنّ هذه القراءة الإنجيلية لغزو العراق كانت بمثابة الموقف الرسمي الذي اتخذه فرسان مؤتمر الحزب الجمهوري في مقاطعة هاريس، ولاية تكساس؛ على نحو يطرح صيغة أخرى لتناظرات حسني البورظان: إذا أردت ان تعرف لماذا اتخذت أمريكا قرار احتلال العراق، فينبغي أن تعرف ماذا جاء في رؤيا يوحنا اللاهوتي! وهذه معرفة تساعدك في فهم التالي، أيضاً: ما الذي يجعل مقاطعة هاريس، الواقعة على مبعدة 7000 ميل ما وراء البحار، تصوّت على قرار عجيب يخصّ السياسة الخارجية: يعتبر القدس عاصمة شرعية لإسرائيل، والضفة الغربية أرضاً إسرائيلية، ويطالب الإدارة بالضغط على الدول العربية لاستيعاب اللاجئين الفلسطينيين، وتأكيد حقّ إسرائيل في أن تفعل ما تشاء لمحاربة الإرهاب؟

لأنّ إسرائيل ليست قضية خارجية، بل قضية داخلية صرفة، في عرف اليمين الأمريكي عموماً؛ كما أجاب، ذات مرّة، جورج مونبيوت، المعلّق في الـ«غارديان» البريطانية. وكذلك، كما نجيب، لأنّ ممثّلي شرائح واسعة، في مختلف المنظمات المسيحـــيةـ الأصولية الأمريكية، يؤمـــنون بنظرية متكاملة (جــــرى التبشير بها في القرن الثامن عشر) تقول بعودة يسوع إلى عالمنا هذا لتخليصه من الشرور، وذلك حين تكتمل جملة شروط: قيام دولة إسرائيل، على أرض فلسطين؛ نجاح إسرائيل في احتلال «كامل أرض التوراة»، أي معظم الشرق الأوسط؛ إعادة بناء الهيكل الثالث في موقع، وعلى أنقاض، قبّة الصخرة والمسجد الأقصى؛ وأخيراً، اصطفاف الكفرة أجمعين ضدّ إسرائيل، في موقعة ختامية سوف يشهدها وادي أرماغيدون!

وذات يوم توجّه بوش الابن بطلب إلى أرييل شارون، يناشده سحب الدبابات الإسرائيلية من مخيّم جنين الفلسطيني؛ فتلـــقى من المسيحيــــين الأصــــوليين أكثر من 100 ألف إيميل استنكاري… ضدّ الأوّل، وليس ضدّ الثاني! ولا عجــــب أن يتوفر اليوم، في ذروة الهمجــــية الإسرائيــلية، مئات آلاف الأمريكـــيين الذين يناشدون الربّ إرسال الملاك إلى غــــزّة؛ لكي يبـــوّق ضدّ… «حماس»!

(القدس العربي)
للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث