المجاهدون «النفطنجية»!

المجاهدون «النفطنجية»!
المصدر: عبدالله ناصر العتيبي

قرأت «تغريدة» لأحد مجاهدي «داعش» السوريين يصف فيها بعض مجاهدي «جبهة النصرة» الخليجيين بالمجاهدين النفطنجية، فقررت أن أغرد بهذه المقالة.

يكتب أحد الدعاة في مواقع التواصل الاجتماعي «تويتر» عشرات الأحاديث التي تتحدث عن الجهاد وتدعو إليه، لكنه لدواع حكومية وأمنية لا يطلب صراحة من «القاعدين» النفور إلى ساحات «العز والشرف»! هو فقط ينقل كلام نبينا الكريم صلوات الله وسلامه عليه، كما هو من غير إضافة من عنده كي لا يدخل في زمرة المحرضين، وما على «الإخوة» المتحمسين بعد ذلك إلا الانطلاق من حيث توقف هو!

ويخرج أحد المشايخ علينا عبر شاشة التلفزيون متناولاً فضل المجاهد والنعيم الذي ينتظره في الحياة الأخرى. يتحدث للمشاهدين من غير أن يحدد لهم مكان الجهاد ووقته وشروطه، وعلى محبيه ومريديه أن يترجموا حديثه واقعاً عملياً، من غير أن يتورط هو في مخالفة النظام، إذ إنه في نهاية الأمر ناقل للمنطوق النبوي! ومن ذا يستطيع أن يجرم أو يخالف رجلاً ينقل أحاديث رسولنا الكريم!

ويجلس أحد المفوّهين الذين اكتسبوا شهرتهم وذيوع أسمائهم بسبب قدرة ألسنتهم، يجلس في محاضرة في إحدى المدارس الحكومية، ويبدأ في توجيه الرسائل الجهادية لصغار السن التي تتناول عظم أجر المجاهدين، وأن الجهاد هو أقصر الطرق الى الجنة، وكيف يمكن للمجاهد الصغير السن في هذه الحال أن يشفع يوم القيامة لـ 70 من أحبائه وأقربائه وأصدقائه! يرمي هذا المفوّه كلامه كالسحر في عقول الصغار ويجعلهم يعيدون التفكير آلاف المرات في مسألة «أقصر طريق للجنة» التي تتماس مع ما يرتكبونه من مخالفات شرعية يومياً بحكم طفولتهم ونقص إدراكهم، ومسألة «الشفاعة للـ 70» التي تضرب على وتر البر بالوالدين والوفاء للإخـــوة، والبطولة عن الأقران والأصدقاء!

يقول ذلك ثم يذهب إلى بيته سعيداً هانئاً مستبشراً من دون أن يتعرض لملاحقة أمنية، فما يتحدث عنه في فضل الجهاد وأهميته إنما هو من خلال النقل المباشر للأحاديث النبوية وما سطره سلفنا الصالح في هذا الجانب!

وفي الجانب الآخر، أو على ضفة النهر الأخرى، يخرج على «يوتيوب» مجاهد ملثم من جبهة النصرة، يتقلد سلاحه ويدعو إخوانه «صراحة» إلى الانضمام إلى المجاهدين في أرض الجهاد، ويردد الآيات والأحاديث نفسها التي كان يرددها المشايخ الثلاثة على متابعيهم ومحبيهم وطلابهم و”طلاب طلابهم”!

ويخرج مجاهد آخر من تنظيم «داعش» على الوسيلة الإعلامية ذاتها، ويستخدم القالب الكلامي نفسه طالباً من الشباب الحر في أرض الحرمين النفور إلى ساحات الجهاد ومبايعة الخليفة أبي بكر البغدادي، ومذكراً بفضل الموت للمجاهد تحت راية إمام واحد للمسلمين!

تمهيد ذو جانب نظري للجهاد يقوم به من هو في داخل المملكة، ثم يتولى بعد ذلك المقاتلون في العراق وسورية وضعه في علب «الجانب التطبيقي»، ولفه بورق السلوفان وإعادة تصديره مرة أخرى إلى الداخل السعودي.

الجهاد كلمة عظيمة في القاموس الإسلامي، ولطالما ترددت في الأدبيات الإسلامية تحت بند المقدس والإلهي والخلاص الأعظم، لكنها وعلى مدى التاريخ الإسلامي الذي تلا خلافة سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه، أحيطت بدوائر سياسية كثيرة، وحمّلت على محامل نفعية ومصلحية متضاربة، حتى أصبحت جزءاً من منظومة أدوات حكام الدول والدويلات الإسلامية عبر القرون لتثبيت أركان حكمهم وتمرير شرعيتهم على الرعايا المسلمين وغير المسلمين.

واليوم تعود الكلمة من جديد للتأرجح بين الشرعي والسياسي، فبعد وقوعها في ثمانينات القرن الماضي في الشَرك الأميركي في أفغانستان، وما تلا ذلك من مواجهات «جهادية» مسلحة بين قادة الجهاد أنفسهم، ها هي تظهر من جديد في سورية والعراق تحت مظلة محاربة أعداء الله في البلدين! لكن وعلى غير العادة التي تنص – تاريخياً – على انقلاب الجهاديين على أنفسهم بعد القضاء على عدوهم الرئيس الذي انعقدت راية الجهاد من أجل الخلاص منه، بدأ المجاهدون باكراً في جز رؤوس بعضهم بعضاً بسبب خلافات قادتهم، هكذا وببساطة شديدة تحولت هذه الكلمة العظيمة إلى حروب منزوعة القدسية بسبب اختلاف على الزعامة والقيادة بين أبي بكر البغدادي وصديقه بالأمس أبي محمد الجولاني. المجاهدون في «داعش» يقتلون المجاهدين في «جبهة النصرة»، والمجاهدون في «جبهة النصرة» يقتلون المجاهدين في «داعش»، وكل ذلك تحت السقف نفسه من الأحاديث والآيات التي تدعو إلى الجهاد.

أمران مهمان ينبغي العمل عليهما إعلامياً من اليوم لضمان مستقبل أبنائنا: تنظيف كلمة الجهاد من كل ما التصق بها من شوائب وعلائق وتمريرها إعلامياً بشكل مكثف ومختلف، لمواجهة أولئك الذين يوردون الكلمة على إطلاقها لتحقيق أجنداتهم المخفية من غير أن يتعرضوا للملاحقة الأمنية. والثاني فضح رؤوس الجهاد البراغماتيين من خلال وضع العدسة المكبرة باستمرار على حرب «داعش – جبهة النصرة»، ليعرف الصغير والمغرر به والذي يواجه مشكلات نفسية أن ما يحصل هناك ليس جهاداً مقدساً وإنما حرب عصابات على مصالح دنيوية صغيرة.

علينا أن نقنعهم أن ما يحصل في الشام والعراق إنما هو عبث موقت لا يلبث أن يتلاشى، وأن الحرب النظيفة الوحيدة هناك – الحرب وليست الجهاد – هي ما يقوم به الجيش الحر في مواجهة النظام الأسدي، والذي بدوره لا يريد أحداً من المهاجرين النفطنجية، حباً فيهم، وليس كرهاً كما يقول المغرد في أول هذه المقالة.

(الحياة)
للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث