المتنبي يسأل ونتنياهو يجيب

المتنبي يسأل ونتنياهو يجيب
المصدر: إنعام كجه جي

قبل أيام، دار زميلنا الأستاذ علي سالم على قراء هذه الجريدة مادّا كفّه، يطلب: «أغنية للعيد… لله يا محسنين». قال إن في مصر أغنية وحيدة من هذا النوع غنتها السيدة صفاء أبو السعود هي «أهلا… أهلا بالعيد». أما الأغنية الشهيرة للسيدة أُم كلثوم «يا ليلة العيد» فلا تنتسب لعصرنا الراهن.

هل نحن في وارد الغناء يا راجل؟ لقد فتحنا أعيننا على من سبقونا وسمعناهم يستقبلون كل عيد وهم يضربون أخماسا بأسداس ويرددون، بدل المواويل، قصيدة المتنبي «عيد بأي حال عدت يا عيد؟». إن قاموسنا قديم بحيث إنه لا يتورع، كل عام، بل مرتين في العام، عن استعارة هذا المطلع الذي كتبه أبو الطيب قبل أكثر من عشرة قرون.

بأي حال عاد؟ أبحث عن متطوع شجاع ينبري للرد على السؤال: بأعجب حال يا سيدي الشاعر. بأسوأ حال. بأذلّ وأتعس حال. والدليل أننا ما برحنا نجتر الكلام العتيق ونسقطه على حاضرنا. نترنم بالقصائد العصماء ونطرب لها ونهزّ الرؤوس ونحفظها على ظهور القلوب ونورثها لأبنائنا. نحن نحتفظ بها، اليوم، في «غوغل» ونستودعها «ويكيبيديا». كأننا لم نتقدم خطوة منذ ألف عام. وليتنا كنّا «مكانك سر». نحن «إلى الوراء دُر».

لا يضجر السياسيون وسادة الكلام من أن يبدأوا خطاباتهم بعبارة: «في هذه اللحظة الحرجة من تاريخ أمتنا». وقد عشت حياتي وأنا أسمع هذه الكلمات نفسها، بالترتيب ذاته، دون تحريف أو تحوير أو حتى اجتهاد. يا لهذه اللحظة الجبارة التي يمكنها أن تدوم نصف قرن! وأي حرج هذا الذي لا يعرف انفراجا؟ والغريب أن أيا من الملحّنين العرب لم يفكر في تلحين العبارة المذكورة وتوزيعها أُوبراليا لكي تصبح نشيدنا الوطني الجامع الشامل أو، على الأقل، أغنية «هادفة» من أغاني المعركة، أو حتى طقطوقة نترنم بها في العيد.

قاموسنا القديم كان قد وسوس لنا بأن فلسطين هي قضيتنا المركزية. وأقول: «وَسوَسَ» لأننا تعاملنا مع «الأرض السليبة» كأنها ورطة شيطانية. وكم تبعث تلك الصفة «قضيتنا الأولى»، على الحيرة، اليوم. نحن ما عدنا نعرف أي النوائب هي الأجدر بالتقديم والتركيز: لبنان أم سوريا أم اليمن أم ليبيا أم الصومال أم العراق أم…؟ دخنا كالدائر حول نفسه في حفل زار. وداخت فلسطين معنا. نزفت ونزفنا ولم يخرج الجنّ الذي يتلبسنا. ورغم تقادم العهود، يبقى قاموس قضايانا ضاجّا لا يعرف الهدوء: نكبة، فهجرة، فعدوان، فنكسة، فمخيمات، فانقلابات، فانتصارات، فأيلول أسود، فحرب أهلية، فحرب غير أهلية، فغزو، فاحتلال، فصحوة، فثلاثاء دامٍ، فربيع عربي نلوك حشيشه ثم نخزّنه في بواطن الخدود مثل القات.

يأتي العيد فلا نعرف كيف نعيّد كما في سالف الأيام. تصدح عفيفة إسكندر «جاني الحلو… لابس حلو… صبحية العيد» فتتحول الأماكن إلى مهرجانات من الأطفال والأراجيح والملابس الجديدة. وكان تلفزيون الكويت قد سجل لناظم الغزالي حفلة ينشد فيها «أي شيء في العيد أُهدي إليك يا ملاكي»، فحفظوا صورة حيّة نادرة للمغني العراقي الأعذب. يسمعون الأغنية، في العشية، من الشاشة الصغيرة فيتأكدون من ثبوت رؤية الهلال. وكانت بغداد تبدأ عيدها بصوت الكويتي عوض دوخي يشجو على عوده «صوت السهارى… مروا علي عصرية العيد». فالتنقل بين البلدين، قبل الثاني من أغسطس (آب) الذي يحل قريبا، كان بسهولة «طالعة من بيت أبوها رايحة لبيت الجيران».

لماذا ننكأ الجراح ونجدد اللحن والقاموس؟ هذي القلوب مثقلة والمزاج لا يحتمل الخروج في طلب أغنيات جديدة. وحتى مواويل العيد القديمة صارت تقلق غفوة الحنين وتوقظ الوعي الشقي. يكفي أن الفرقة (بضم الفاء أو بكسرها) تضرب على الدفوف و«داعش» تطيح بتمثال المغني عثمان الموصلي ونتنياهو يرقص بعصا المايسترو.

(الشرق الأوسط)

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث