الحطام

الحطام
المصدر: سمير عطا الله

يستطرد البريطاني لويس كارول في «المرآة العاكسة» في شرح ما نعنيه نحن بالقول المأثور: «كما تكونوا يولّى عليكم». الإنسان، يقول كارول، يتأمل في المرآة ليرى ما يريد أن يراه، لأن العالم غالبًا يعكس أوضاعنا. نحن نتطلع إليه ونراه فقط بعدستنا. من خلالها فقط نرى أعداءنا وأصدقاءنا وآمالنا. ولذلك، لا يمكن أن تكون الصورة واضحة أو حقيقية. فالذاكرة تعمل إلى الأمام وإلى الوراء. نثق ثقة مطلقة بما حدث لنا في الماضي، وثقة أيضا بما سوف يحدث في المستقبل.

وغالبًا ما نكون نحن والمرآة على خطأ. أو على خلل. أو على نقص. عندما نتطلع إلى المرآة يجب أن نرى أيضا أطراف الصورة، لأن أسوأ أنواع الكذب وأفدحه هو الكذب على الذات. الحقائق ليست انتقائية، الخيال وحده انتقائي. وما نسمّيه نحن نقدًا ذاتيًّا هو في الواقع مراجعة الصح والخطأ، الماضي وطرق المستقبل. والذاكرة التي لا ترى سوى الماضي تجني على أصحابها أولاً، لأن لا مستقبل لها. جميع الإمبراطوريات انهارت عندما لم يعد في إمكانها التمييز بين أمجاد الماضي وشطط الحاضر. الغرور يدفعك إلى الاستخفاف بالآخر والاستخفاف حفرة بلا قرار. هكذا سقطت روما. هكذا بريطانيا. هكذا الاتحاد السوفياتي.

عامل كهرباء أسقط الحكم الشيوعي في بولندا. لكن ليك فاليسا صار يتطلع في المرآة ولا يرى إلا نفسه. صار يقلد الزعماء الذين أطاح بهم. وإذا ذات يوم ليك فاليسا شيء من الماضي لا يرى في أي مرآة. هكذا من قبله سقط الزعماء الشيوعيون العتاة.

المرآة خدعة نظرية. توهمك أنك وحدك. تمنعك من النظر حولك. تمنعك من النظر خلفها، تجمِّدك في النظر خلفك. تعطّل فيك الرؤيا، فكيف يمكن أن تسير في الأرض وفي الحياة؟ سوف تقبع في مكانك وتلوم جميع الآخرين على كل الأشياء. أما الحقيقة «فكما تكونون يولّى عليكم». إياك أن تقلل من حجم مسؤوليتك. إياك أن تتجاهل حجم أنانيتك. التجاهل مثل الجهل؛ واحد جريمة متعمَّدة وواحد جريمة بلا تعمُّد. والنتيجة واحدة: تناثر الحاضر وموت المستقبل.

هذه المرايا المحطمة صورة عن حطامنا، بل الحقيقة أسوأ: ما نعتقده مرايا محطمة هو ما ينعكس عليها من حطامنا.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث