مأساة الطريق الثامن

مأساة الطريق الثامن
المصدر: سمير عطا الله

صباح 20 يوليو (تموز)، كان العنوان الرئيس في صحيفة «نيس ماتان» هو التالي (بالأحرف الضخمة): «مأساة على الطريق السريع الثامن: ثلاثة قتلى وجريحان في اصطدام بين سيارة وشاحنة صغيرة». بحثت في العناوين الأولى في الصحف العربية فلا «مأساة» فيها. نُقِلت أخبار الموت فيها إلى الصفحات الداخلية. ولن تجد كلمة «مأساة» تسبق عدد القتلى في العراق أو سوريا أو غزة. نحن شعب لا يحب الرتابة والملل. لذلك، تحال الأرواح إلى السجلات. يكفي تعدادا.

لاحظ كيف نكتب (الصحافيون العرب) عن حاصل أعداد القتلى في سوريا. بعضنا يقول إنهم 200 ألف وبعض آخر يقول 170 ألفا وبعض متحفظ ينتظر نشرات الأمم المتحدة التي لها سمعة حسنة في إحصاء الضحايا حول العالم، لكي ترفعها إلى عناية مجلس الأمن قبل نهاية الدوام الرسمي. مجرد فوارق بسيطة.

كل شيء نسبي في الحياة. إذا لم يؤد الرئيس الأميركي المنتخب في 20 يناير (كانون الثاني) اليمين، يخشى أن تكون كارثة سياسية قد حالت دون ذلك. إذا لم يكن هناك رئيس فرنسي منتخب يتسلم القصر الجمهوري من الرئيس الذاهب في فرنسا، يعني ذلك أن الجمهورية على حافة الانهيار. نحن في لبنان لم يعثر الرئيس ميشال سليمان على خَلَف يسلمه أوراق بعبدا. وهو أمر عادي ورتيب ولم يعد يعني الكثيرين. لأننا مسمى دولة، في جملة المسميات الأخرى.

العراق بلا رئيس منذ أشهر وليس هناك حتى بيان عن حال الرئاسة أو الرئيس. والحاكم الفعلي، نوري المالكي، يتصرف كأن العراق مُلك شخصي، كل معارض فيه معتد على الأملاك الخاصة. والرئيس السوري نقل أداء القسم من مجلس الشعب إلى القصر الجمهوري، لأن سوريا مُلكه إلى الأبد.

كل شيء نسبة ومنسوب. عندما تنتهي ولاية الأسد الثالثة يكون قد أمضى في «قصر الشعب» 21 عاما، بدأها في الرابعة والثلاثين. وهي فترة معقولة نسبيا بالمقارنة – مثلا – مع الفريق علي عبد الله صالح. فالرئيس العربي ينتخب مبدئيا لولاية محدودة، لكن المتفاهم عليه ضمنا، أنها ولاية مدى الحياة.

العلة في القواميس. ما تراه صحف فرنسا كارثة أو مأساة، لا يستحق حتى الذكر في الصحف العربية. مرة، كان كمال جنبلاط وزيرا للداخلية فمنع نشر صور ضحايا القتل، لكي لا تتعود الناس على أنه أمر طبيعي. كان المعدل يومها نحو 20 جريمة قتل في السنة. اليوم، نشرات الأخبار العربية أكفان بلا حدود. كل شيء نسبي في الأرض وكل شيء يتوقف على المقياس الذي عودت عليه. لا ضرورة أن تفهم نظرية أينشتاين لكي تعرف أن فارق 20 أو 30 أو 50 ألف قتيل، في العالم العربي، هو مجرد إحصاء نفر مما عودوك عليه.

(الشرق الأوسط)

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث