حقائب

حقائب
المصدر: إبراهيم حاج عبدي

يثير مسلسل «حقائب» للمخرج الليث حجو إشكالية تتصل بكيفية التعاطي مع حدث سياسي وأمني راهن ومتواصل وعاصف، والمقصود بالطبع، هنا، الحدث السوري. فالمسلسل الذي كتب له السيناريو ممدوح حمادة، ويعرض خلال الدورة الرمضانية الحالية على عدد من الشاشات، يتصدى لتعقيدات الأزمة السورية ومتاهاتها من مختلف الأوجه: القتل والدمار والقصف والنزوح والتفجيرات والخطف وغلاء الأسعار وهاجس القلق والخوف والهجرة نحو المنافي القريبة والبعيدة (من هنا عنوان المسلسل)، فضلاً عن حوارات سياسية تحمل بعداً رمزياً لا تخفى دلالاته.

وفي معزل عن التوجهات السياسية المضمرة في خطاب هذا العمل، الذي يجسد أدواره الرئيسة عدد من نجوم الدراما السورية على رأسهم بسام كوسا، فإن اللافت هو تناول فصول الأزمة من منظار كوميدي ساخر وتهكمي، إذ تتحول كل تراجيديا المحنة السورية إلى لوحات كوميدية تفرغ الحدث من بعده «الوجداني المؤلم» لتقربه من تجربة درامية مماثلة خاضها حجو وحمادة من قبل في مسلسل «ضيعة ضايعة» الذي حظي بنجاح واسع. فأحداثه تدور في قرية افتراضية، يتحايل سكانها البسطاء على ظروف المعيشة الصعبة وسط مفارقات وطرائف محببة.

أما في «حقائب»، فالأمر مختلف تماماً، ذلك أننا إزاء معضلة إنسانية قاسية بكل المعايير، وما إن نسمع حواراً أو نصغي إلى حكاية أو قصة حتى نحيلها إلى «أصلها الواقعي»، ومهما اجتهد كاتب السيناريو في اختلاق فضاءات درامية قد تبدو «افتراضية» أو «متخيلة»، فإن هذا لا يحول دون العثور على مرجعياتها على أرض الواقع السوري الذي يغلي منذ أكثر من ثلاث سنوات على إيقاع القتل اليومي.

وهنا تظهر الإشكالية التي أشرنا إليها بداية، والمتمثلة في مسؤولية صنّاع العمل إزاء أزمة مستمرة، وهل يحق لهم توظيف آلام الناس وتحويلها إلى لوحات كوميدية تحمل من الطرافة والخفة أكثر مما تحمل من الجدية والالتزام (تعبير ممجوج لكن استخدامه هنا يبدو مناسباً وضرورياً).

من يتابع هذا المسلسل سيتشكل لديه انطباع بأن الأزمة السورية هي مجرد «فصول مسرحية مضحكة بين خصمين»، وأن المعاناة اليومية القاهرة يمكن اختزالها إلى مساحات هزلية تنتزع الضحك بدلاً من أن تثير البكاء.

ولا يمكن، التذرع بأن المسلسل ينتمي إلى الكوميديا السوداء، فهذه الأخيرة تحتفظ دائماً بخيط جاد يربط بين مضامين العمل، فضلاً عن أن هذا النوع الدرامي، الذي يتصف بالهجاء اللاذع، غالباً ما يخوض في معالجة مواضيع مفترضة، ويتناول مواقف طريفة تستحضر حالات تتسم بالطرافة، أما في حالة «حقائب» فلا يمكن المشاهد أن يحظى بهذا «الترف الدرامي»، ويغض الطرف عن الحرائق التي تحيط به، فهو حقاً معرض للقتل والتهجير والخطف، ويصعب أن ننتظر ضحكته، بينما هو يسمع ويرى بل ويتعايش مع محنة من الإجحاف توصيفها كفقرة درامية مشوقة وساخرة.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث