تحديات في الشأن الليبي

تحديات في الشأن الليبي
المصدر: آمال موسى

في منتصف الشهر الحالي سيتم الإعلان عن نتائج الانتخابات البرلمانية في ليبيا. ولا أحد يعلم الخريطة السياسية والمآلات الوطنية التي تفرزها هذه الانتخابات. فالوضع في ليبيا غامض حتى النخاع. ولعل النقطة الواضحة الوحيدة تتصل بالأساس بدور القبيلة في مواجهة الحكومة الليبية للتحديات الرّاهنة.

من المعروف أنه عندما يتعلق الحديث ببناء دولة تستند إلى قيم مدنية ونظام سياسي ديمقراطي أن معطى القبيلة وكذلك الجهوية يسقطان آليا باعتبار أن الدولة الوطنية تقوم على فكرة المواطنة والمساواة بين المواطنين. بمعنى أن الدولة هي الهوية السياسية للمواطن. ومن ثمة تصبح الهويات الأخرى مثل الانتماء القبلي أو الجهوي عنصر تشويش على فكرة المواطنة.

ولكن هذه البديهيات لا يمكن اعتمادها منطقا للقراءة عندما يتصل الأمر بالشأن الليبي وخصوصياته التي تلزمنا باعتماد تشخيص، ينطوي بالضرورة على مفارقة. ذلك أن ثورة فبراير 2011 التي فهم منها العالم أنها ثورة ضد نخبة سياسية قامت بما يسميه عالم الاجتماع التونسي المنصف وناس «البدونة الشاملة» والتي حتمت – أي ظاهرة البدونة – ميكانيكيا بناء دولة من دون مؤسسات وإيثار ما كان يسميه الراحل معمر القذافي ديمقراطية اللجان الشعبية.. كل هذا يعني أن الشعب الليبي يمثل أكثر شعوب الثورات العربية حاجة إلى ثورة سياسية تهدف إلى بناء دولة قوية ومؤسسات تقوم على الفصل بينها وتتجاوز البدونة الشاملة بالمواطنة.

المفارقة أن الوضع في ليبيا خصوصا بعد التدهور الذي عرفه والتركة الثقيلة التي تركها القذافي وراءه، هو اليوم في حاجة إلى القبائل الليبية أكثر من أي وقت مضى. وهنا يكمن جوهر المفارقة.

لنوضح فكرتنا أكثر: إن التعامل الموضوعي مع الواقع الاجتماعي والسياسي، يقتضي الانطلاق من فكرة أولى مفصلية مفادها أن القبيلة هي عنصر أساسي في البناء الاجتماعي الليبي. فهي تؤدي أدوارا عدة ووظائف مختلفة تبدأ من السياسي إلى الأمني، وصولا إلى القيمي الأخلاقي.

لذلك فإن مقاربة دور القبيلة في ليبيا، تندرج بالأساس ضمن المنظور الوظيفي باعتبار أن القبيلة تسهم في تحقيق الاستقرار والاندماج الاجتماعيين. وهي ذات سلطة على الأفراد والمؤسسات الاجتماعية. لذلك فإن المحدد القبلي يجعلنا نعتبر أن خروج ليبيا من المأزق الواقعة فيه ومن الانفلات الأمني والشبابي يشترط إيلاء القبيلة الاعتبار اللازم وتجاوز الموقف الذي يُقسم القبائل الليبية ويُخون القبائل التي كانت في ارتباط مع القذافي. فهذا المنطق سيدفع بقبائل مؤثرة في المجتمع الليبي إلى التقاعس في أداء دورها واتباع الحياد السلبي. لذلك فإننا نعتقد أن استيعاب القبائل المؤثرة ذات السلطة الاعتبارية على المنتمين إليها، بمقدوره أن يحقق هدفين اثنين: الهدف الأول يتمثل في تشريك هذه القبائل في الأزمة الليبية، وإعادة دمجها سياسيا وجعلها منخرطة في عملية المصالحة الوطنية والمراقبة الاجتماعية. ونعتقد أن مناهضة «مجلس القبائل الليبية» للإرهاب ومطالبته مؤخرا بشكل صريح أثناء تدشين فرع لـ«مجلس القبائل الليبية» بمصر بمحاربة الإرهاب، إنما يشكل رسالة مفادها أن أيادي شيوخ القبائل ممدودة للعب دور محوري في إنقاذ ليبيا من مستنقع الإرهاب.

أما الهدف الثاني فيتمثل في حاجة مؤسسات الدولة الهشة والمفككة إلى مصدر قوة اجتماعي وإلى دعم القبائل ومساعدتها النوعية في بلد تتجول فيه ملايين الأسلحة. وبمعنى آخر يبدو لنا أن العامل القبلي حاسم في مسألة المصالحة الوطنية، وفي مواجهة الجماعات المتطرفة وفي استعادة السلاح وكلها تمثل تحديات كبرى أمام الدولة الليبية المتصدعة.

إن عشرات الثورات غير قادرة على محو البناء الاجتماعي القبلي حيث إن القبيلة ليست نخبة سياسية يُثار ضدها فيتم خلعها. بل هي تنظيم اجتماعي عريق ومتغلغل في التربة الاجتماعية الليبية. كما أن هذا التنظيم هو إطار اجتماعي ثقافي رمزي بامتياز. ذلك أن القبيلة هي تصور خاص للعلاقات والروابط الاجتماعية يقوم على الهرمية والعلاقات العمودية. إضافة إلى أنه منظومة قيمية ثقافية تنتج ممارسات واستعدادات تخص المخيال والتمثلات.

من هذا المنطلق فإن القبيلة ستبقى من مكونات النسيج الاجتماعي الليبي والأفضل في الوضع الراهن الاستفادة من وظائفها الإيجابية إزاء التأزم الليبي الراهن.

أما مسألة القيم المدنية، فلقد أثبتت التجارب الإنسانية المختلفة أنها قضية تربية وثقافة بالأساس، وهي تحتاج إلى فعل الزمن وتراكم نوعي في مجال بناء مسار مدني ثقافي في ليبيا يتم بشكل تدريجي وخطوة خطوة. في حين أن القبيلة في ليبيا اليوم مفتاح مركزي لحل الأزمة الليبية.

إن المتابع لتصريحات «مجلس القبائل الليبية» المعلنة منها والتلميحية، يفهم أن القبائل تسعى برصانة إلى تجديد مشروعيتها السياسية والاجتماعية، وأنها اختارت قسرا موقف الحياد. لذلك فإن الكرة هي مرمى الحكومة وطبيعة الخريطة السياسية التي سيعلن عنها بعد أربعة أيام.

(الشرق الأوسط)
للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث