لتنتفض فلسطين سلميا

لتنتفض فلسطين سلميا

عمرو الحمزاوي

إسرائيل، التي لم تتوقف عن الإجرام الاستيطاني في القدس والضفة الغربية خلال السنوات الماضية بل بلغت به معدلات غير مسبوقة مستغلة التجاهل العالمى وصمت نظم الحكم العربية المنصرفة إلى شئونها الداخلية، توظف حادثة قتل ثلاثة مستوطنين إسرائيليين شباب في الضفة الغربية منذ بضعة أسابيع لتبرير هجماتها على الضفة وعدوانها الحالى على غزة.

وإن كنت لست من الذين ينازعون في أن قتل المستوطنين الثلاثة يمثل فعلة إجرامية فردية مدانة، إلا أن السياق الإجرامى الأوسع يتمثل في الاستيطان الذي يقطع الأوصال المتبقية من الجسد الفلسطينى ويتمثل أيضا في مجموعات المستوطنين الذين يجرمون في حق الشعب الفلسطينى بوجودهم على أرضه وبمبانيهم المتكاثرة وباستنزافهم لموارده وبتسلحهم وعنفهم اليومى الذي أسقط مؤخرا الشاب الفلسطيني (المقدسي) محمد أبوخضير. الاستيطان هو الإجرام، والمستوطنون هم المجرمون، والدوائر السياسية والعسكرية التي تمكن لهم وتحميهم تجرم وفقا لقواعد القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة وهي التي ينبغى محاسبتها لو كان للعدالة العالمية ولقيم الإنسانية فاعلية.

إسرائيل، التي لم تتوقف عن انتهاك حقوق وحريات الشعب الفلسطينى في القدس والضفة الغربية وتوسعت بشدة في ممارسات وحشية كالتهجير وهدم المنازل والاعتقال والتي تفرض منذ ٢٠٠٦ الحصار الإجرامي ضد قطاع غزة وتستبيحه سكانا وأرضا لاعتداءاتها المتكررة، توظف الصواريخ التي تطلقها فصائل فلسطينية (حماس وغير حماس) من القطاع على مدن إسرائيلية لتبرير عدوانها الحالى.

وإن كنت لست من المقتنعين بجدوى المقاومة المسلحة اليوم ومن المؤمنين بأولوية المقاومة السلمية وانتفاضة سلمية ثالثة في القدس والضفة وغزة، إلا أن الحقيقة هي أن صواريخ الفصائل الفلسطينية تلت اعتداءات إسرائيلية وضربات جوية استهدفت البشر والحجر خرقت بمقتضاها حكومة بنيامين نتيناهو هدنة إسرائيل ــ حماس بوساطة مصرية والملتزم بها منذ ٢٠١٢.

والحقيقة أيضا هي أن الإمكانات العسكرية للفصائل الفلسطينية في غزة تطورت كرد فعل مباشر لاستمرار العدوانية الإسرائيلية وللحصار ولغياب أفق الحل التفاوضى السلمي بعد عقدين كاملين من «مسار أوسلو» ومفاوضاته.

إسرائيل، التي تفرض على السلطة الفلسطينية (الرئيس محمود عباس) تنسيقا أمنيا مهينا بينما تواصل عبر مستوطناتها تقطيع أوصال الجسد الفلسطينى وعبر العبث التفاوضى الذي تديره منذ عقدين كاملين تفريغ حق تقرير المصير من المضمون والحل السلمى / سيناريو الدولتين من الإمكانات الواقعية والتي استثمرت الكثير خلال السنوات الماضية لتعميق الانفصال بين الضفة الغربية وغزة، توظف المصالحة الفلسطينية وحكومة الشراكة بين السلطة وحماس التي تسميها بحكومة «الإرهابيين» لتبرير عدوانها الحالى وتوصيفه كحرب على «الإرهاب» الذي أعادته المصالحة إلى الواجهة.

والحقيقة هي أن إسرائيل أرادت تجميد الأوضاع في الضفة والقضاء على فرص اندلاع انتفاضة ثالثة بالتنسيق الأمني مع السلطة وبمسكنات أوروبية وأمريكية وعربية اقتصادية وتركيع غزة بالحصار المستمر والاعتداءات العسكرية بينما هي تواصل الاستيطان والعبث التفاوضى والعرب والعالم يواصلون الصمت.

والحقيقة هي أيضا أن الشعب الفلسطينى أصبح يدرك اليوم أن مسار أوسلو بلغ فشله المحتوم، وأن الوصول إلى حق تقرير المصير عبر موائد المفاوضات في الظروف الفلسطينية والعربية الحالية خارج الحسابات الواقعية، وأن إسرائيل أرادت تكريس الانفصال بين الضفة وغزة لمواصلة تفريغ القضية الفلسطينية من المضمون والتوسع في الإجرام الاستيطاني، وأن التنسيق الأمني مع السلطة في القدس والضفة هو الوجه الآخر لحصار غزة وللاعتداءات المستمرة. وتأسيسا على ذلك، ومع التشديد على ضرورة تجنب انهيار المصالحة الفلسطينية، لم يعد أمام الفلسطينيين إلا الانتفاض سلميا ــ وليس بالصواريخ ــ في القدس والضفة وغزة وبنفس طويل لتجاوز مسار أوسلو والنخب التي أدارته (سلطة ومعارضة) وإعادة شىء من التوازن لمعادلة القوة بينهم وبين إسرائيل على نحو يوقف تفريغ حق تقرير المصير من المضمون وينهي الصمت العربي والعالمي.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث