مصر.. ومصر الأخرى

مصر.. ومصر الأخرى

سمير عطا الله

هناك مِصران: الأولى، كبيرة العرب، مدخل أفريقيا، حوض النيل، حوض المتوسط الأزرق، حوض المتوسط الأحمر. 90 مليون بشري، ملايين الخرّيجين، موقع الأزهر، أكبر متحف تاريخي مفتوح في العالم.

لكن مع الأسف، فإن في مصر الأولى هذه أناسا غلابة، كما في أميركا والهند والصين. قبل أن أكمل السرد عن مصر الأولى، دعني أعترف بأنني شخصيا أعتبر أن أعظم شيء حققته الدولة الرأسمالية هو الضمان الاجتماعي. وأعظم ما يمكن أن تحققه هو توسيع نطاقه ورفع مستوياته.

لكي تفعل ذلك، يجب أن تقتطع من الغني لتساعد الفقير. لكن يستحيل عليك، مع كل أموال الأرض، أن تقيم دولة حقيقية من دون أن تأخذ من أحد. أول قرار اتخذته الحكومة الجديدة (لا نزال في مصر الأولى) كان رفع الضريبة على البورصة. زعل أهل البورصة. القرار الثاني كان توسيع نطاق الدعم للمأكولات لتمكين الفقير – على الأقل – من مأكولات الطبقة الوسطى. القرار الثالث كان إلغاء الدعم عن المواد التي تستهلكها الطبقات الميسورة وشريحة من الطبقة الوسطى.

مثل هذا القرار سيئ في أي مكان. لكن إذا كنت تريد أن تتحول من دولة إعاشة وعشوائيات وطلب مساعدات وهجرة عقول وكفاءات، فإن لكل ذلك شروطا ومواصفات متفقا عليها في كل الأرض عبر التاريخ؛ إما أن تظل تخدع نفسك وشعبك وتنتقل من فقر إلى عوز إلى توسيع المدافن كسكن للأحياء، وإما أن تقول للفقراء والأغنياء والمتوسطين: أنتم شعبي لا شعب لي سواكم، وهذه أرضنا جميعا. تعالوا نبنيها معا. الأناشيد الحماسية لا توفر كرامة ولا تؤمن دولة عزيزة.

هذا عن مصر الأولى.

هناك مصر ثانية تقيم 24 ساعة في اليوم في قناة «الجزيرة» من قطر. ويبدو من تكرار نشرات الأخبار أن مصر الأخرى غير راضية إطلاقا عن مصر الأولى، لا عن انتخاباتها ولا عن حكوماتها ولا عن قراراتها ولا عن تصرفات نادي الزمالك.

كنا نعتقد أنها موجة غضب وتزول، عندما يكتشف قسم الأخبار في «الجزيرة» أنه من المستحيل زرع مصر أخرى محل مصر، لأن ذلك يتطلب نحو سبعة آلاف سنة ونحو 90 مليون بشري، ويتطلب محمد علي آخر. إلا أن «الجزيرة» مستمرة في المحاولة. والواضح أيضا أن مصر ليست الدولة الوحيدة التي تعارض مشيئة «الجزيرة»، لكن التركيز الآن عليها؛ فمتى هزمت أكبر دولة عربية يصبح من السهل عليها إلحاق الهزيمة بالجميع. يقوم آنذاك عالم عربي مثل أحلام ألف ليلة وليلة. تفرك فانوس علاء الدين السحري، فيطلع لك الرئيس محمد مرسي. وتفرح مصر الأخرى.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث