«الدولة الإسلامية» والمغرب العربي

«الدولة الإسلامية» والمغرب العربي
المصدر: آمال موسى

يحظى عنصر الجغرافيا الدينية في مشاريع التنظيمات الإسلامية الشمولية التي تقوم على حلم استعادة الخلافة الإسلامية بأهمية خاصة جدا؛ فالخريطة التي تعنيهم في المقام الأول والأخير هي خريطة العالم الإسلامي كلّه حتى وإن كانت طبيعة المشروع في هذا الجانب تقتضي التدرج.

في هذا الإطار، نضع ما راج من أخبار مؤخرا عن قيام تنظيم يسمى «دامس»، وهو النسخة المغاربية لـ«داعش». وفي السياق ذاته أيضا، نضع آخر تطورات اللعب على الأسماء والمتمثلة في إعلان «داعش» إلغاء اسم «العراق والشام» من اسم «الدولة». بمعنى أكثر وضوحا، فإن هذا التنظيم بات يستشعر القوة والنجاح واقترابه السريع من تحقيق الخلافة.

اللافت للانتباه أن «الدولة الإسلاميّة» تمكنت من تسويق صورتها كأخطبوط قادم إلى دول المغرب العربي. وهي صورة لا يعتبرها الكثيرون من المغاربة مقاربة الطوباوية أو غير الواقعية.

وفي الحقيقة، فإن التخوفات المغاربية ذات مسوغات واقعية وقوية، وهو ما ورد في جريدة «الشروق» الجزائرية التي قالت إن زعامات جهادية في ليبيا مرتبطة بأجندة «داعش» الذي ينوي التوغل في الجزائر واتخاذ تونس نقطة عبور. ويتساند هذا الخبر مع تصريح لخبير أمني جزائري، يتحدث فيه عن استحداث تنظيم «داعش» لفرع في درنة الليبية ضم نحو 500 مقاتل.

وبناء عليه، فإن الأخبار التي تخص تسلل «داعش» من البوابة الليبية لا تبدو متضاربة بقدر ما هي منسجمة ومؤكدة بعضها لبعض. وهي مسألة منطقية للغاية باعتبار أن هذا التنظيم يعشش في بؤر التوتر وفي البلدان التي تعيش وضعا أمنيا مفتوحا وهشا وملغوما.

في مقابل ذلك، لم يتوانَ إعلاميون وشخصيات أمنية وفكرية عن التعامل بجدية مع خطر «داعش» واعتبار أن تونس غير محصنة ضد هذا الخطر، خصوصا أن هناك مؤشرات عدّة وقوية تجعل من التجند لمثل هذا السيناريو ضرورة.

ويمكن ترتيب المؤشرات المقصودة على النحو التالي:

– صلة تنظيم «أنصار الشريعة» التونسي بـ«داعش»، مع العلم أن تنظيم «أنصار الشريعة» كان ينشط في تونس ولم يتم تصنيفه منظمة إرهابية إلا في فترة متأخرة، وهو تنظيم متهم بالضلوع في أحداث الهجوم على السفارة الأميركية في تونس وأيضا في اغتيال الشهيدين شكري بلعيد ومحمد البراهمي وأحداث جبل «الشعانبي».

– ورد في تقرير للمعهد التونسي للدراسات الاستراتيجية، أن التونسيين يتقلدون مواقع قيادية في تنظيم «داعش» وأن 14 تونسيا نفذوا عمليات انتحارية في العراق خلال شهري مارس (آذار) وأبريل (نيسان) من السنة الحالية.

– صرحت نقابة الأئمة في تونس أن ما يقارب 1200 تونسي موجودون في إمارة «الدولة الإسلامية»، وأن 99 في المائة من الشباب التونسي الذي سافر إلى سوريا انشق عن «جبهة النصرة» والتحق بـ«داعش».

ففي ضوء هذه المؤشرات والمعلومات والإحصائيات والأرقام، يُصبح الاستنفار ضد «داعش» تونسيا ومغاربيا، موقفا مطلوبا، بل ومستعجلا، خصوصا أن تنظيم «أنصار الشريعة» صال وجال في البلاد التونسية وانتدب الشباب وعمل على شحنهم آيديولوجيًا وانتدابهم للانضمام إلى الحرب في سوريا. كما أن زعيم التنظيم كان يتحرك بكل حرية في البلاد، أي أنه وإن كان اليوم هاربا فإنه قادر على تقديم خدمات لـ«داعش» وبعض المفاتيح في تونس، هذا إذا لم تكن قد تسللت فعلا وما زالت في طورها السري.

وبقدر ما سيتواصل الوضع في ليبيا على خطورته وتعشش التنظيمات الإرهابية فيه، بقدر ما ستتضاعف حظوظ «الخلافة الإسلامية» في المغرب العربي.

لذلك، فإن تمشيط ليبيا من الإرهابيين يمثل أولوية قصوى ليبيًّا ومغاربيًّا وعربيًّا ودوليًّا.

أيضا من النقاط التي تجعل سيناريو امتداد أو تحول تنظيم «الدولة الإسلامية» إلى المنطقة المغاربية سيناريو يستحق الإنصات والتفكير والجدية، أن هذه المنطقة تعيش في أسوأ مرحلة أمنية؛ ليبيا مدججة بالإرهابيين والسلاح، وتونس في مرحلة انتقالية وتعيش صعوبات اقتصادية وتحديات أمنية مختلفة ومتعددة، والجزائر تشهد معركة شبه دائمة مع الإرهاب ومحاولات معاودة التوغل فيها.

والأنكى من كل هذا، توتر العلاقات بسبب قضية الصحراء الغربية بين المغرب والجزائر، وهما في الحقيقة الدولتان الأقوى والأكثر استقرارا في المنطقة المغاربية اليوم. وهو توتر له تكلفة أمنية باهظة باعتبار أن التنظيمات الإرهابية تنجح في الاختراق كلما كانت قوى المنطقة المستهدفة في حالة قطيعة. وهنا نشير إلى أنه لولا توتر العلاقات بين الدول الإقليمية في منطقة الشرق الأوسط لما تجرأ تنظم «داعش» على الظهور ولا على النشاط.

إننا في لحظة تاريخية أصبح فيها التوتر بين الدول المجاورة جغرافيًا وتاريخيًا لا يؤثر سلبًا على التعاون الاقتصادي فحسب، بل يتعداه ليشمل تكلفة من نوع آخر: انتعاش العنف والإرهاب وتجارة الآيديولوجيا المسمومة.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث