رمضان… ما تبقّى من الغربة

رمضان… ما تبقّى من الغربة
المصدر: زياد الدريس

أعيش منذ سنوات خارج وطني وبعيداً عن أسرتي الكبيرة. لكنني أجد حرجاً في الإجابة على من يسألني: كيف الغربة معك؟! إذ قد يُفسر جوابي، غير الدراماتيكي، بأنه زهدٌ في الوطن أو عقوقٌ للأهل. لكن الأمر كما تعلمون ليست له علاقة بالمشاعر بل بالتقنية.

لم يعد في الغربة غربة!

هكذا هي حال «المغتربين» في عصر وسائط التواصل الاجتماعي، طوال أحد عشر شهراً خلال العام. لكن حين يأتي شهر رمضان تعود الأحاسيس بالغربة، إذ لم تتمكن وسائط التواصل، على الأقل حتى الآن، من نقل مشاعر وطقوس رمضان إلى خارج الحدود. لأن رمضان هنا، في الخارج، هو شهر كانون الثاني (يناير) أو حزيران (يونيو) أو تشرين الثاني (نوفمبر) أو … أو…، وليس شهر رمضان.

في بلادنا، كل شيء يصوم خلال شهر رمضان، البشر والشجر والحجر. حتى الماء يصوم عن أفواه الناس.

وفي بلاد الغربة الرمضانية، أنت وحدك الذي تصوم والناس من حولك عن الجوع صائمون!

زالت كل أعراض الغربة بين العوالم، إلا في رمضان، ما زالت باقية في تلك الروحانية التي يتدثر بها المسلمون خلال شهرهم هذا.

هل ستقدر التقنية المتفوقة أن تنقل هذه الروحانية عبر خلايا التواصل الرقمي، أم أن التواصل الاجتماعي هو بالعكس لا يزيد المغتربين إلا ألماً وجوعاً روحياً؟!

رمضان ليس عبادة فقط تؤديها حيثما كنت، بل هو نظام حياة مغاير يعيشه المسلم شهراً في كل عام.

رمضان مدينة روحية منفصلة، لها صلواتها وأطعمتها وبرامجها وزياراتها واستثماراتها ودموعها وابتساماتها. مدينة روحية يدخلها الإنسان أو هي تدخله، فيربط فيها راحلته وينثر أغراضه ويقبل فيها الدعوات والأدعية.

في رمضان يتحول الأصدقاء إلى أقارب، والأقارب إلى أهل، والأهل يصبحون جسداً واحداً ملتوياً حول مائدة الإفطار، ثم متمدداً على صف المصلين في المسجد المجاور.

في الغربة، حين يأتي النهار الشتائي القصير يصبح رمضان فيه بلا طعم، وحين يأتي في النهار الصيفي الطويل يصبح طعمه مرّاً. بينما في البلاد الرمضانية يبقى الطعم الروحاني اللذيذ صيفاً وشتاءً.

لا شئ يعدل الصيام في الوطن وعند الأهل .. طال النهار أو قصر.

(الحياة)

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث