المكوّن السنّي في العراق

المكوّن السنّي في العراق

عريب الرنتاوي

أكراد العراق كانوا سبّاقين في الحديث عن “عراق ما بعد الموصل” الذي لا يشبه عراق ما قبله … ولهم في ذلك غاية لا تخفى على أحد، وقد باح بها رئيس الإقليم لوزير الخارجية الأمريكية الزائر عندما لوّح له بورقة “الاستقلال” وطالبه بتفهم دوافع الأكراد وتطلعاتهم.

لكن شيئاً من هذا القبيل، يتردد على ألسنة قادة وشيوخ عشائر من العراقيين السنّة كذلك … كثيرون منهم استخدموا نفس العبارات، في مسعى لا تخفى دلالاته على أحد، والغاية منه كما يصرح بعضهم ويلمح إليه بعضهم الآخر: الالتحاق بركب الإقليم الكردستاني، والانضواء تحت راية فيدرالية، بل و”تقرير المصير” إن لزم الأمر.

والحقيقة أن هذا الحديث، وإن كان مدفوعاً بأهداف ونوايا باتت معروفة، إلا أنه يكتسب قدراً كبيراً من الواقعية، فعراق اليوم، ليس كعراق الأمس، وما بعد “غزوة نينوى” ليس كما قبلها … وتحديداً في المحافظات “المتمردة” ذات الغالبية العربية السنية.

مثل هذه التقديرات، يراها معظم السياسيين العراقيين الشيعة، بالذات أنصار رئيس الوزراء نوري المالكي، ضرباً من المبالغة و”التطير”، بل ولا يترددون في اتهام القائلين بها، بأنهم يخفون أجندة معادية للعراق، تقسيمية و”داعشية” … ومن يتتبع خطابهم يلحظ أنه ما زال يعج بعبارات وشعارات، تنتمي إلى مرحلة ما قبل الموصل، لكأن زلزالاً بأعلى مقاييس “ريختر” لم يضرب العراق في العاشر من حزيران الجاري.

ما الذي تغير في هذه المحافظات، وكيف سينعكس ذلك على فرص “الحل السياسي” للازمة العراقية، بل وعلى صورة العراق ومستقبله وخرائطه وطبيعة نظامه السياسي واتجاهات تطور العلاقات بين مختلف مكوناته؟

إن التغيير الأهم الذي أصاب “المزاج العام” للعرب السنة في العراق، إنما يتعلق بسقوف مطالبهم وتطلعاتهم … ذلك أن مراجعة تصريحات ومواقف القوى الفاعلة على الأرض، بالذات المنظمات المسلحة والبيئة العشائرية والدينية، يلحظ كم بات صعباً على هؤلاء العودة للانضواء تحت راية “حكومة مركزية” بقيادة المالكي أو غيره من رموز الأحزاب الشيعية العراقية … ثمة ميل جامح لا لتعديل نسب المشاركة والمحاصصة المعمول بها في إطار العملية السياسية الجارية في العراق، بل لتغيير قواعد اللعبة، وإعادة انتاج تجربة إقليم كردستان في المحافظات الشمالية – الغربية للعراق.

هذا يفرض قيداً على الجهود المبذولة الآن، لتشكيل الحكومة العراقية الجديدة واختيار الرئاسات الثلاث وتوزيع مقاعد السلطة والثورة على الطوائف والمذاهب والمكونات … فمطالب أهل السنة، باتت تتخطى العملية السياسية برمتها، وأحسب أن مرحلة ما بعد الموصل، ستعيد ترسيم الحدود بين أقاليم فيدرالية، شبه مستقلة، تحت راية “مهلهلة” اسمها “العراق الموحد”، وأحسب أن العودة لصيغ “الائتلافات” و”الشراكات” القديمة، ما عاد مقنعاً ولا ممكناً بالنسبة لطيف واسع من هذا المكون.

ثم، أن “عراق ما بعد الموصل”، شهد حراكا ثورياً لجهة أحجام وأوزان القوى السنية … ومن الصعب التصديق الآن بأن القوى التي ظفرت بمقاعد المكون السني في العراق في الانتخابات الأخيرة، ما زالت تمثل هذا المكون وتعبر عن تطلعاته وأشواقه … لا أدري إن كان بمقدور قوائم كالتي يقودها كل من النجيفي وعلاوي والمطلق والكربولي أن تنطق باسم العرب السنة وتتحدث باسمهم، وتبرم العقود والاتفاقات نيابة عنهم، من دون أن تواجه بتحدٍ حقيقي من قبل أبناء هذا المكون وبناته… لا أدري أن كان مثل هذا التوافق ممكناً مع البعث وبقايا الجيش والنظام القديمين والطريقة النقشبدنية ومجلس المجاهدين وأنصار السنة وغير ذلك من أسماء ومسميات، لقوى باتت تسيطر الآن على الأرض، وتتحكم بمصائر السكان؟

وبمقارنة سريعة مع بقية المكونات الوطنية العراقية، يمكن القول: أن لا مشكلة تمثيل فيما خص الشيعة العراقيين، على الرغم من وجود خلافات حادة فيما بينهم، وكذا الحال فيما خص المكون الكردي، لكن السؤال الذي يُطرح بإلحاح: من يمثل العرب السنة، وهل يمكن أن لكل الفصائل والأحزاب، الممثلة في البرلمان أو تلك التي تقع خارجه، أن تصل لتفاهمات فيما بينها، وأن تلتف حول قائمة مطالب وتطلعات محددة؟ … هل سيكون بمقدور هذه القوى أن تنأى بنفسها عن “داعش” وأن ترسم خطوطاً وفواصل واضحة بين أجندة “الدولة الإسلامية” وأجندة المكون السني؟

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث