ملصقات مصرية

ملصقات مصرية

مشاري الذايدي

انتشرت في مصر هذه الأيام، وبشكل متسارع ومفاجئ، ملصقات دينية على السيارات والجدران، مضمونها الحث على إزجاء الصلوات النبوية.

مضمون الدعوة عادي وليس غريبا على الشعب المصري المتدين، ولكن طريقة إدارة «الحملة» توحي بأنها مجرد التفاف أو بروفة لعمل نشاط مقبل بمضمون مختلف، وفي ظل الحظر المضروب على جماعة الإخوان وأنصارها، يتم قياس قدرة الدولة المصرية على الانتباه واليقظة.

قامت الداخلية المصرية بإزالة هذه الملصقات من السيارات والجدران، لأنها غير مرخصة، ولأنها مريبة في طريقة توزيعها ومن يقف خلفها، لم يطل الأمر كثيرا حتى خرج أنصار الإخوان يذمون هذه الحكومة الخبيثة التي تمنع الصلاة على النبي! فانكشف المغطى.

قصد الإحراج واضح هنا، والابتزاز الديني سافر، وإلا فمن يزايد على بلد الأزهر والحسين والعلماء والمقرئين؟!

مفتي الديار المصرية الشيخ شوقي إبراهيم علام تفطن لهذه الحيلة، فأكد أن انتشار ملصقات «هل صليت على النبي اليوم» لا يمكن اتخاذها كوسيلة لتحقيق مكاسب أو لإحداث خلل في المجتمع، وأكد أن: «الصلاة على النبي من قواعد الدين وتحقق الطمأنينة للإنسان ومأمور بها شرعا إلا أن سيدنا محمد تنازل في إحدى معاهداته عن كتابة بسم الله الرحمن الرحيم وعن أن محمدا رسول الله رغم أنهما حق وذلك تحقيقا للسلم المجتمعي وشدد على أن أي حكم شرعي يؤدي إلى خلل مجتمعي يمكن التنازل عنه».

الجوهر في كلام مفتي الديار المصرية هنا هو أنه حتى لو لم تكن هناك نية سياسية وحملة مبيتة في حملة الملصقات هذه، فإنه لا يقحم الاسم المصان والأمور المقدسة في سوق التجاذبات السياسية، تنزيها لجناب الإيمان وصونا للدين عن المزايدات. وهي مزايدات لا تخفى في نوايا المدبرين لهذه الحملة. وفعلا قد هتف بعض الذين يحاكمون الآن في قضايا الإرهاب من داخل القفص بمضامين هذه الملصقات، ليتحول الأمر إلى نزاع سياسي معلن وليس مجرد وعظ ديني بريء.

هذه هي المشكلة تحديدا مع جماعات الإسلام السياسي منذ نحو قرن من الزمان، وهي احتكار الدين، وتوظيف طاقته في «إخراس» الخصم السياسي، أو إحراجه أمام الجمهور، وهم يعلمون في قرارة أنفسهم أنهم كاذبون، ولكن من يملك الجرأة لمواجهة من يرفع شعارا دينيا، حتى ولو كنت تعلم أنه غير صادق؟!

قديما لما اندلع الصراع «السياسي» بين معاوية ومعه أهل الشام والخليفة علي ومعه أهل العراق، وكاد جيش العراق أن ينتصر على جيش الشام، تفتق الذهن الشامي عن حيلة ماكرة، فرفعت المصاحف على الرماح، ليكف جنود الجيش العراقي عن القتال تورعا، لكنها كانت مجرد حيلة لمنع الهزيمة.. وهكذا صار.

الرماح السياسية التي تتغطى بالمقدس، ما زالت مشهرة اليوم، وهناك من يعلم بحقيقة الرماح المخفية هذه، لكنه يجبن عن قول ما يعلم للناس، وهكذا يتفشى النفاق ويتفشى معه فساد النفوس.

حسنا فعلت مصر ومفتيها، ولا عزاء لتجار الدين.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث