عود إلى سايكس بيكو

عود إلى سايكس بيكو
المصدر: خالد القشطيني

يكثر الكلام في هذه الأيام عن اتفاقية سايكس بيكو السرية. يقولون إن خريطة منطقة الهلال الخصيب التي رسمت بموجبها حدود هذه الدول هي السبب في كل هذه المشاكل. لا أتفق مع هذه المقولة. أولا لأن المستر سايكس كان مستشرقا وعارفا بشؤون المنطقة، ولم يكن وعد بلفور جزءا منها. وتقوم خريطة العراق الحالية على أساس وادي الرافدين لنهري دجلة والفرات، وهو مفهوم تقبلته الأجيال منذ أيام بابل. وقسم العثمانيون البلاد إلى ولايات إدارية تقع في هذا الإطار.

العيب الوحيد بنظري في هذه الخريطة أنها ضمت كردستان التي طالب أهلها بالاستقلال، وأدى ضمها للعراق إلى حروب ومنازعات متواصلة استنزفت ثروات البلد وأدت إلى المحنة التي وقع فيها العراق في أيام صدام حسين وجرته للوضع الحالي.

قلما توجد دولة خالية من مكونات دينية وطائفية وقومية. حتى هذا البلد الصغير بريطانيا يتكون من إنجليز واسكوتلنديين وويلزيين وكورنواليين وآيرلنديين ودينيا من أنجليكان وكاثوليك وبرسبتيريان. وكانت هناك لغات مختلفة وما زال بعض الويلزيين والآيرلنديين يستعملونها. وجرت بين هذه المكونات حروب دامية في التاريخ. لكن القوم وعوا في الأخير أن الحكمة والمصلحة تقتضي توحدهم تحت العرش البريطاني. ساعد على توحدهم أفول أثر الدين من حياتهم وتفكيرهم، وأصبحوا جميعا علمانيين. لقد وحدتهم العلمانية والتكنولوجيا. وجدوا أن استعمال لغة واحدة سائدة، الإنجليزية، أيسر عمليا، فهجروا لغاتهم الإثنية. لا يوجد اليوم اسكوتلندي يتكلم الغيليكية أو كورنوالي يتكلم الكورنشية. لا توجد في الإنترنت قنوات تستعمل هذه اللغات. ليس من المعقول عمليا أن تكون لكل طائفة أو قومية مهما صغرت دولتها الخاصة بها.

وضع المستر سايكس والمسيو بيكو هذه الخريطة على أساس أن هذه الدول ستقع تحت انتداب بريطانيا وفرنسا، وتسعى الدولتان لتطويرها تطويرا علمانيا على غرار ما جرى عندهم. بيد أن كليهما لم يحسب حسابا للنزعات الوطنية والقومية والدينية وتأثير الدول المجاورة كإيران. نسفت ثورة العشرين في العراق هذا المخطط. ثم جاءت ثورة عبد الكريم قاسم فنسفت ما بقي من الهيمنة البريطانية. وأصبح الحبل على غارب العراقيين فراحوا يعضعضون فيه حتى قطّعوه.

يقول المثل اللاتيني: «لم تبن روما في يوم واحد». هذه الدول الغربية المزدهرة والممعنة في التطور والتي تعيش فيها مكوناتها الدينية والإثنية بسلام وأخوة لم تظهر للوجود دفعة واحدة. لقد استغرقت قرونا طويلة من التجربة والخطأ، وجرت إلى مصائب ومذابح وثورات وحروب دامية وأيضا لمنازعات فكرية وطائفية بشأن أتفه الأمور وأغبى الخرافات والمعتقدات، حتى وصلت لهذه المرحلة الحالية من الوعي العلماني والتفكير العلمي السليم الذي أعطاهم هذا الخير والازدهار. مصيبتنا أننا في أول المسار. سنحتاج لسنين وسنين حتى ندرك مدى هذه الجهالات والحزازيات التي نتقبلها اليوم فننفضها عن أنفسنا.

وهذه مسؤولية الكتاب والمفكرين في تسريع المسار بغسل دماغ الجماهير من أزبال التاريخ.

(الشرق الأوسط)

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث