خطر “داعش” والخطر الأكبر

خطر “داعش” والخطر الأكبر

الظلم والفساد يؤديان للتمرد والإرهاب. العراق بلد غني. وعندما أحسب كل عناصر ثرواته وإمكاناته أرى أنه مؤهل ليكون أغنى وأسعد بلد في المنطقة. لكن هذا لم يحدث، وأصبح شعبه أشقى من فيها. وعندما يجد مواطنون أنهم محرومون من هذه الثروات وعليهم أن يدفعوا رشى للحصول على أخس عمل وأبسط مهنة، ويسمعون بمن سرقوا الملايين، فإنهم يتعرضون للوقوع في شتى الأحلام والأوهام بما يجرهم إلى تبني الأفكار المتطرفة والعنفية.

حصل ذلك بالأمس القريب عالميا وتسبب في الوقوع بالشيوعية، يوم آمن أصحابها بالثورة الحمراء لتقويض كل شيء وبناء جنة الله على الأرض. فشل المشروع وتبدد الحلم. لكننا تعلمنا من ذلك الفصل أن استعمال القوة والقمع لا يكفي لحل المشكلة والاستيقاظ من ذلك الحلم. لقد تبدد ح+لم الشيوعية عندما استيقظ أصحابها وجابهوا الواقع في عالم اليقظة، فأدركوا أن ما رأوه كان مجرد وهم وحلم أرجواني جميل.

يذكرني ذلك الفصل بما وقع فيه سائر هؤلاء الجهاديين، الذين راحوا يحلمون بإعادة الخلافة وفرض الدين الإسلامي والشريعة على العالم برمته. واكتفى فريق منهم أكثر واقعية بتطبيق ذلك في دولة صغيرة يقتطعونها من منطقة الهلال الخصيب يسمونها الدولة الإسلامية للعراق والشام. حاول الشيوعيون القفز إلى الأمام، لكن الجهاديين يسعون للقفز إلى الوراء. بالطبع ستتبدد كل هذه الأحلام. بيد أن المصيبة هي أنها ستكلفنا كثيرا في الأنفس والأموال، تماما كما حصل لشعوب الاتحاد السوفياتي.

وراء هذا الخطر خطر أكبر، وهو إغراق المنطقة بالتنازع والتقاتل الطائفي. يجري العمل الآن في قمع «داعش» وكل هذه التنظيمات الإرهابية. ولا شك أن الحكومات العربية والأجنبية ستنجح في الأخير في التخلص من أخطارها. لكن الخطر الذي سيصبح من الصعب التخلص منه هو غرس روح الطائفية في الشعب. يجب تفادي ذلك بفصل هذه المهمة التي هي من مهمات الحكومة والدولة عن نطاق المؤسسات الدينية والمرجعيات الطائفية.

قمع هذه التنظيمات الإرهابية مهمة وطنية تخص الجميع. يجب الحذر من وصف هذه التنظيمات بأنها تنظيمات جهادية ترفع راية هذه الطائفة أو تلك. على الجميع من سائر الطوائف والقوميات أن يدعموا جهود الحكومة وقواتها النظامية ومساعدات الدول الغربية في تحقيق هذا الغرض، بعيدا عن زج الدين والطائفة في الموضوع. ويجب أن نتذكر أن ما ساعد تنظيم «داعش» في مسعاه في العراق هو استغلال الحيف الذي تشعر به بعض الطوائف والذي لم تبذل السلطة الجهود الكافية لرتقه ومعالجته بحيث يشعر الجميع بهوية واحدة وأن الحكومة القائمة هي حكومتهم الشرعية التي انتخبوها وتمثلهم جميعا وليس طائفة من الطوائف. ومثلما يقتضي على قادة الدولة أن يعملوا ويتكلموا من هذا المنطلق بعيدا عن أي منطلقات طائفية، على قادة الطوائف أيضا أن يتحاشوا تعبئة أتباعهم تحت ألوية طائفية، وكأن الموضوع موضوع حرب بين فئة وفئة، فهذا هو الخطر الذي يهدد العراق والعالم الإسلامي برمته.

(الشرق الأوسط)
للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث