الأخطار المحدقة وكيف نجابهها؟

الأخطار المحدقة وكيف نجابهها؟
المصدر: عريب الرنتاوي

بتوقيت متزامن (تقريباً) صدر عن معهدي ستارتفو وواشنطن، تقريران يتحدثان عن تهديد «داعش» للأردن، قبلها كان هذا الموضوع مادة لتقارير إسرائيلية، تحذر من خطورة التهديد الذي يتعرض له الأردن، جراء تنامي «الخطر الجهادي» المحدق به من جهاتها الثلاث، ومن داخله … وخلال الأيام القليلة الفائتة، لم تبق وسيلة إعلامية تقريباً، من دون أن تخصص جزءا من برامجها لتناول هذا الموضوع بالبحث والتحليل والتعليق.

نحن نشاطر هذه الجهات قلقها وتحذيرها، ونوافق على أجزاء مما ورد في تحليلاتها، وأجزم بأننا لم نكن بحاجة لمثل هذه التحذيرات حتى نتنبه لما يحيط بنا من أخطار، بعضها داخل حدودنا، وبعضها الآخر خلف تلك الحدود … ولطالما حذرنا من مخاطر «الفلتان الجهادي»، بل أننا منذ بواكير الأزمة السورية، كنا ممن يرفضون منطق «التهويل» بمخاطر نظام الأسد وحلفائه على أمن الأردن، ولطالما شددنا على أن الخطر الرئيس (إن لم يكن الوحيد) الذي يتهددنا من شمالنا هو خطر الإرهاب، الأمر الذي ينطبق على العراق ليوم، بنفس الصورة أو أكثر قليلاً.

وإذ نرى ما رأته بعض تلك التقارير من خطر انتشار السلفية بمدارسها المختلفة في الأردن، وبالأخص خطر تحولاتها الجهادية العنيفة ضد أمننا واستقرارنا، إلا أننا كنّا ومنذ سنوات سبع على أقل تقدير، نحذر من خطر اللعب بهذه الورقة لمعالجة الخلافات والتنازعات مع قوى محلية (الإخوان على سبيل المثال) أو قوى إقليمية (طهران وحلفائها) … لكن الجديد هذه المرة، أن ما كان يبدو أمراً قليل الأهمية والخطورة من قبل، وفي أسوأ الأحوال «خطر كامن أو مرجأ»، بات مع اندلاع الأزمة السورية، وانتقالها إلى العراق، خطراً قائماً، بل وداهماً .

بين التحسب والحذر من جهة، والفزع والهلع من جهة ثانية، ثمة شقة واسعة … نحن ندعو للتحسب والحذر، وأخذ الحيطة وتبني استراتيجيات وقائية واستباقية، من دون هلع أو فزع أو تطيّر.

وبين الخطر الكامن في الداخل، وذاك العابر للحدود، كنّا على الدوام نثق بقدرة جيشنا وأجهزتنا الأمنية على التصدي للخطر الأخير وإسقاطه في مهده، بل وتكسير أقدامه وأذرعه قبل أن يمتد إلى أمننا الوطني واستقرارنا الداخلي … لكننا لم نكن دوماً نمتلك الثقة ذاتها، حين يتصل الأمر بالخطر الكامن في الداخل … هنا الدولة تتراخى، والحسابات الضيقة تطغى، وعقلية الموظف تطرد عقلية «السياسي» و»متخذ القرار» … هنا تتداخل الحسابات والحساسيات، وتسود سياسات الإرجاء والتأجيل، التهوين والاستخفاف، حتى إذا استفقنا ذات يوم، وجدنا أن إعادة هيبة الدولة، في أبسط الملفات، يحتاج منا إلى تسيير قوات مؤللة وجحافل مجوقلة، ربما لإغلاق بئر غير شرعية أو وقف اعتداء على خطوط الماء والكهرباء أو حتى استرداد «بكب أب دبل كابين» مسروق ومعروض على صاحبه الأصيل لإعادة شرائه؟!

أمس، أسعدنا توجيه الملك لحكومته ووزرائه، بضرورة بسط سيادة القانون والمؤسسات من دون هوادة أو مهادنة، وأثلج صدرنا قوله إن ذلك خط أحمر … مثل هذا «الغطاء السياسي» الأرفع، يدفع بالكرة إلى ملعب الحكومة وأجهزتها ودوائرها …. فلا أحد ينبغي أن يكون فوق القانون، أياً كان ومن أين أتى أو تحدّر … لا أحد ينبغي أن ينجو من العقاب أو يتفلت منه، أياً كانت المبررات والذرائع والوسائل … لا أحد بمقدوره الاعتداء على المال العام والخاص، وإتلاف الممتلكات العامة أو الخاصة، أو قطع الطريق أو التخريب والتكسير، ظانّاً أن «فنجان قهوة» سوف يسويّ الأمر … مثل هذه الممارسات، ليست مرذولة في جانبها الاجتماعي والجنائي والحقوقي فحسب، بل وتوفر الفرصة لـ «الخطر الكامن» ليطل برأسه من بين ثنايا الفوضى والفلتان وضعف هيبة الدولة وتآكل حضورها.

لسنا فزعين مما يجري حولنا، فنحن قادرون من خلال مؤسساتنا الأمنية والعسكرية المحترفة والكفؤة على مواجهة التهديد وإحباط مراميه … لكن من قال إن هذه المؤسسات تقاتل لوحدها، من قال إنها ليست بحاجة لقاعدة صلبة وجبهة خلفية، تستند إليها؟ … نحن بمسيس الحاجة لاستراتيجية وطنية لمحاربة الغلو والتطرف والعنف بأشكالها المختلفة، نحن بحاجة لفتح جبهة ثقافية من أجل نشر ثقافة العيش المشترك والتسامح والحوار ونبذ العنف والتكفير وتعزيز قيم المواطنة والعدالة وحقوق الإنسان … نحن بحاجة لاستراتيجية تبني على ما يجمعنا، وتعظّم مشتركاتنا، وتنمي هويتنا الجمعية، وتتصدى لبذور الفتنة التي تبدأ من تفهم «داعش» وتمر بالتعاطف معها، وتنتهي بالانخراط في عملياتها، فهل نفعل؟

(الدستور)
للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث