مَن يعمل عند مَن؟

مَن يعمل عند مَن؟
المصدر: سمير عطا الله

تتحدث نيويورك نحو 800 لغة، من بينها، أحيانا، الإنجليزية. قد تدخل إلى صالون حلاقة – من قبيل التفاؤل بالخير – وتكتشف أن الحلاق لا يعرف كلمة إنجليزية واحدة. حتى كلمة «هالو» يرد عليها بالصينية: وانغ وانغ. أو شيء من هذا. وإذا اشتريت جوربا أو قميصا فاحرص أن تقرأ أين صنع: «Made in China» عند المستر وانغ وانغ. عام 2013 صدَّرت أميركا إلى الصين ما يزيد قليلا على 100 مليون دولار، واستوردت من الرفيق وانغ وانغ بما يزيد كثيرا على 400 مليار.

في حسبة بسيطة يتبين لك أن أكبر دولة رأسمالية في العالم هي التي تتولى دعم الكادحين في أكبر دولة شيوعية في العالم. وعندما سمحت قيادة الحزب الشيوعي بزيادة عدد المواليد، كانت تشعر في قرارها بالاطمئنان إلى أن أميركا ستتولى الكلفة الإضافية، وبأن الرفيق وانغ وانغ يستطيع، في أسوأ الحالات، أن يعمل حلاقا في قلب نيويورك؛ حيث تتداول البورصة كل يوم أسهما بقيمة 41.472.554.344 دولارا. ولست أعرف إن كان شرحها بالتريليون أو بالبليون، لأنني لا أستطيع أن أحدد معنى التريليون في أي حال. وعليه وحده الاتكال.

كل شيء لم نكن ندرك ما هو حقا، كنّا نسميه الإمبريالية ونهتف ضده في شوارع بيروت. وقد درَّبنا على ذلك الرفاق في موسكو وبكين. بعضنا لم يكن يعرف حتى كيف يلفظ كلمة الإمبريالية، لكن المهم أنها تعني أميركا. والآن الرفاق الاشتراكيون، في موسكو وبكين، يشترون ناطحات الإمبريالية ويغنّون لها، والرفيق وانغ وانغ يتضايق في وضوح إذا ورد اسم ماو تسي تونغ عرضا في الحديث. فلنبقَ في الأشياء الواقعية: هل قلت إن لديك برجا للبيع؟ مجموعة أبراج؟ اعتمد! هذا هو التعبير الذي درج فترة في «سوق المناخ». ظل كل مشترٍ يقول لكل بائع «اعتمد» حتى ألغيت كلمة اعتماد من لغة المصارف، وتبين للجميع مرة أخرى، أن المال جني، لا جنون.

ولنعد إلى وانغ وانغ. لقد غير وجه العالم وهو يبتسم وأنت تعتقد أنه يبتسم. وكان الفرنسي جان كوكتو يقول إن الصيني (والد وانغ) يبتسم ضاحكا وهو ينقل إليك خبر سقوط السور العظيم. لا تأخذنَّك ابتسامة الصبي وانغ. إنه يغزو الغرب والشرق، ويبحث في غابات أفريقيا عن مصادر طبيعية تكفي جحافل المواليد. وعندما وقَّع وانغ، الشهر الماضي، اتفاقا نفطيا مع روسيا بـ400 مليار دولار، شهقت جنابك متعجبا. اهدأ. هذه مجرد «فكّة» عن الآتي. «فراطة» كما نقول في لبنان. وإخواننا في المغرب يقولون «السنة الفارطة» عن السنة الماضية، ويقولون «وخّا وخّا»، بمعنى أجل أجل. ويقول التوانسة «برشا برشا» في معان كثيرة، والسودانيون يقولون زول، بمعنى زول، والله أعلم.

(الشرق الأوسط)

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث