صلاة استسقاء من أجل السلام

صلاة استسقاء من أجل السلام
المصدر: عريب الرنتاوي

هي خطوة رمزية، بدأها قداسة البابا من بيت لحم، استكمالاً لسلسلة الرسائل التي أطلقها من هناك: فلسطين المستقلة التي دخلها من أبوابها، وليس من البوابة الإسرائيلية … إدانة جدار الفصل العنصري والصلاة من “خارج النص البرتوكولي” على نيّة إنهاء معاناة الفلسطينيين … فضلاً عن رمزية ارتداء الكوفية الفلسطينية التي تلفع بها السيد المسيح طفلاً كما ظهر في الجدارية التي زيّنت الاحتفال الرئيس لقداسة البابا، وتماهي النشيد الوطني الفلسطيني، بالتراتيل والصلوات الكنسية التي صاحبت الحبر الأعظم ورافقته طوال المحطة الفلسطينية من جولته.

لا أثر سياسياً للزيارة، فالبابا أرادها “استراحة المحاربين”… لا وساطة ولا توسط … لا تفاوض ولا مبادرات … كل ما في الأمر، أن قداسته رأى انهيار العملية التفاوضية، فآثر ان يعطيها دفعة معنوية رمزية لا أكثر … ولأنها كذلك، لم يجد طرفا الصراع بُدّا من الاستجابة للدعوة البابوية … حضر عباس وجاء بيريز … وسيُرفع الآذان ويُتلى القرآن في الصرح البابوي، ولأول مرة في تاريخه.

على أن المبادرة البابوية، ليست قليلة الأهمية، فهي تعيد تذكير العالم بالملف المنسي، ملف القضية الفلسطينية والصراع العربي الإسرائيلي، الذي يكاد يطويه النسيان، بعد أن تقدمت عليه مختلف ملفات المنطقة وأزماتها … وبعد أن تعرض للترك والإهمال، في ضوء ما يواجه شعوب الأمة العربية ومجتمعاتها، من أولويات ضاغطة في لقمة العيش والأمن والاستقرار والعدالة والكرامة، وفي ظل ما يجتاح مجتمعاتنا من “تسونامي” العنف والتطرف والإرهاب والانقسامات الجهوية والمذهبية والدينية والقومية.

إنها “صلاة استسقاء” للسلام، والاستسقاء عادة ما يأتي بعد “المحل” والجفاف … والسلام في فلسطين، يبدو بعيد المنال، وهو يفر من بين الأيادي الكثيرة التي تعبث به … فلا سلام مع استمرار الاحتلال، لا سلام مع الاستيطان، لا سلام فيما ستة ملايين لاجئ فلسطيني، ما زالوا يهيمون على وجوههم في دنيا المنافي والشتات … زعيم الكنيسة الكاثوليكية الأوسع انتشاراً في العالم، يدرك هذه الحقائق، ويريد أن يلفت أنظار العالم لها، وهو يفعل ذلك بالأدوات والوسائل الوحيدة المتوفرة لديه، كمرجع روحي لا سياسي، وأهمها على الإطلاق “الصلاة” على نيّة عودة السلام لأرض السلام والأنبياء.

ومن دون أن يقصد ذلك أو يخطط له، فإن توقيت إقامة الصلاة المشتركة، متعددة الأديان والطقوس والشعائر، يأتي في توقيت هام للفلسطينيين، الذين يواجهون اليوم، حملة إسرائيلية شعواء تستهدف “شيطنتهم” وعزلهم عن مجتمعهم الدولي، بعد أن نجحوا في “لملمة” شملهم، وإعادة ترتيب بيتهم الداخلي، وتشكيل أول حكومة وفاق وطني، بعد سنوات سبع عجاف من الانقسام والتراشق والتنابذ … لكأن البابا وفاتيكانه، أرادا أن يبعثا برسالة للعالم: السلطة ورئيسها وحكومتها، كيان شرعي مائة بالمائة، وهم شركاء في التفاوض وصنع السلام على حد سواء، وبخلاف ذلك، تخريف في تخريف.

وبهذا المعنى، يعلن البابا، فشل حملة نتنياهو وأركان حكومته، في عزل السلطة والحكومة والرئيس … ويكرس بدلاً عن ذلك، عزلة نتنياهو وحكومته، وهي عزلة تبلغ ذروتها، حين نرى أن الحليف الاستراتيجي الأوثق لدولة الاحتلال والاستيطان، يرفض مزاعمه وادعاءاته، فتعلن واشنطن أنها ستواصل دعم السلطة وستتعامل مع الحكومة الفلسطينية الجديدة، أما الاتحاد الأوروبي، فقد ذهب أبعد من ذلك، إذ واصل تعاونه مع السلطة، من دون التفات إلى المزاعم الإسرائيلية، ومن دون أن يبذل أي جهد في التوقف عندها أو الرد عليها.

عباس في حاضرة الفاتيكان، يستكمل ما بدأه قداسة البابا في بيت لحم … ورسائل الشعب الفلسطيني، تطوف العالم وتجول في أرجائه الأربع، وإسرائيل تعاني العزلة والنبذ، بخلاف ما كان عليه الحال في معظم الجولات السابقة بين الفلسطينيين والإسرائيليين، والمطلوب اليوم، أكثر من أي وقت مضى، معرفة كيف يمكن استثمار هذه العزلة وتعميقها، بهدف فضح دولة الاحتلال والعنصرية والاستيطان، ونزع الشرعية والغطاء الدوليين عنها … فهل نحن فاعلون؟

(الدستور)

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث