الشيوعية التي لا تبتسم

الشيوعية التي لا تبتسم
المصدر: إنعام كجه جي

في سن الرابعة عشرة أصبحت ناديا كومانتشي أشهر مواطنة رومانية في العالم، بفضل فوزها الفذ في سباقات الجمناز في دورة مونتريال الأولمبية. لكن البطلة الصغيرة حافظت على هدوئها، ولم تقفز في الهواء من الفرحة. وفيما بعد، ورطتها شهرتها في مشكلات سياسية وعاطفية، وهربت من بلدها إلى أميركا، وصارت حكايتها تصلح لأكثر من فيلم ورواية.

حين نزلت إلى الملعب في ذلك النهار الصيفي من عام 1976، تنحنح كبير المحكمين، وسأل: «كم عمرها؟». كان يرى أمامه طفلة طولها أقل من متر ونصف المتر، تربط شعرها بشريط أحمر في ذيل حصان، ولا تبتسم. هل من الضروري أن يبتسم أصحاب المعجزات الصغيرة؟ لقد أدت استعراضاتها بشكل مذهل، وجلست تنتظر النتيجة. ولم يجد المحكمون مفرا من منحها الدرجة الكاملة، لكن اللوحة الضوئية لم تكن مهيأة لمثل ذلك الرقم غير المتوقع، وسجلت صفرين إلى اليمين، ثم فارزة، وبعدها صفر والرقم واحد. ماذا حدث؟ إن الصغيرة لا تفهم أين موقعها، ومدربها لا يفهم شيئا، ولا يعرف أين أخطأت لتستحق تلك الدرجة الهزيلة. كان يحتضنها مواسيا، ويحاول أن يخفف من خيبته وخيبتها، بينما هب ثمانية عشر ألف متفرج واقفين على الأقدام احتجاجا. أما المشرفون، فكانوا يتلفتون بحثا عن مندوب شركة «لونجين» السويسرية للساعات، لكي يصحح الرقم المعلن على اللوحة الضوئية.

أخيرا، تركزت كاميرات التلفزيون على المحكّم السويدي حين وقف وفتح ذراعيه في اتجاه ناديا، وعيناه تلتمعان بالدمع. لقد حققت الصغيرة ما لم تحققه رياضية من قبل. إنه يتلفظ بعبارات ما، لكن الضجيج يمنعها من سماع صوته. أما المدرب اللبيب، فقد فهم من الإشارة، وعاد ليرفعها بين يديه. وأخيرا، بعد طول ترقب، ظهر الرقم الصحيح على لوحة النتائج: عشرة على عشرة.

سبع مسابقات، وثلاث ميداليات ذهبية، تتدلى على صدرها الممسوح، مع واحدة فضية، وخامسة برونزية. صارت لاعبة الجمناز الرومانية التي تشبه دمية مبرمجة مصنوعة من مادة بلون الجلد، مثالا للملايين من المراهقات. امتلأت صالات الرياضة في العالم بالبنات الراقصات في مربع الجمناز على الأرض، المتأرجحات على العوارض المتوازية، والقافزات فوق الحصان الخشبي.

بعد نحو من أربعين عاما على ذلك الأولمبياد، تعود الكاتبة الفرنسية لولا لافون لترسم ملامح ناديا كومانتشي على الورق. إنه ليس كتابا في السيرة، بل رواية بعنوان «الشيوعية الصغيرة التي لا تبتسم مطلقا». كيف يمكن للمرء أن يبتسم، إذا كان قد ولد حزبيا منتميا في القماط.. شيوعيا في اللفة؟ ولولا العنوان المثير، لربما مر القراء بالكتاب مرور الكرام. لكنه ما زال يتصدر أرقام البيع، منذ مطلع هذا العام، ويستعيد أسطورة تداخلت فيها الموهبة الرياضية بدهاليز الحكم الشمولي والحرب الباردة. لا أحد يهرب من الدعاية السياسية، والأبطال لا يصنعون مواهبهم ولا أمجادهم، بل هم ملك للحزب الذي يصنعهم.كبرت الفراشة الصغيرة، ونالت المزيد من الميداليات الذهبية في الدورة الأولمبية التالية، كامرأة، هذه المرة، لا كطفلة معجزة.

وقد حاول نيكو تشاوشيسكو، النجل المكروه للرئيس الروماني، أن يضمها إلى محظياته. ويقال إنها تمنعت عليه وتهربت منه، وفي رواية ثانية، إنها سايرته. إن السياق كله فوق طاقتها على الاحتمال. والضغوط شديدة والطاعة واجبة. حاولت الانتحار، لأنها لم تتقبل التغييرات التي طرأت على جسدها عند البلوغ، كأن الأنوثة كانت خطأ وجوديا يجب تصحيحه من خلال التدريبات اليومية، أي ساعات التعذيب الطويلة. أما الحمية الغذائية القاسية، أي الجوع الإجباري، فقد سبب لها أوجاعا في المعدة، وكان يحرمها من النوم. وفي العشرين من العمر، وضعت ناديا كومانتشي حدا لسباقاتها الرياضية.

هل يحق للبطلات والأبطال مغادرة المسرح متى شاءوا؟ لقد صنعهم النظام، وهو وحده الذي يملك حق منحهم الإذن بالمغادرة. وكانت ناديا تحت المراقبة المستمرة. وعندما رافقت الوفد الروماني إلى أولمبياد لوس أنجليس، عام 1984، فإن العسس كانوا يتابعونها، خطوة بخطوة، وكذلك الحال في السفرات التالية، باستثناء تلك التي ذهبت فيها إلى موسكو وهافانا.

اختاروها في اللجنة الوطنية الأولمبية، وواصلت الماكينة الدعائية استثمار اسمها، وألفوا عنها الكتب والأفلام، وأصدروا طابعا بصورتها. لكنها قلبت الطاولة حين أحبت رياضيا أميركيا، بطلا أولمبيا سابقا دعاها للإقامة معه في أوكلاهوما، فتركت رومانيا، قبل أسبوعين من سقوط النظام، ولحقت بمنقذها. ولم يهضم مواطنوها انتقالها إلى الغرب، وأشاعوا أنها هربت خوفا من العقاب بسبب علاقتها مع ابن تشاوشيسكو. لكن البطلة الهاربة عادت مع خطيبها إلى بوخارست، بعد سنوات، لكي تحتفل بزواجها على أرض الوطن. وأقيم حفل الاستقبال في القصر الرئاسي الحالي.

هل صحيح أنها لم تكن تبتسم مطلقا، كما جاء في الرواية الفرنسية؟ لا شك أن في حياة الشيوعية الصغيرة ما كان يدعو للتجهم. أما الابتسام، فمسألة فيها نظر. ألا تضحك ناديا في وجه طفلها الوحيد، مثلا؟ كذب الروائيون ولو صدقوا.

(الشرق الأوسط)

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث