عودة الدين إلى نبعه الصافي

عودة الدين إلى نبعه الصافي
المصدر: موسى برهومة

تفضي محاولات الغوص في تفاصيل «تجديد الخطاب الديني» إلى متوالية متناسلة من الحيثيات التي ربما لا تخطر في بال الذين يرومون فهماً تبسيطياً يقوم على الثنائيات الضدية التي تختزل الكون والوجود على نحو قسري وإكراهي. فقبل البحث في كيفية تجديد الخطاب الديني، أو «تجديد الدين»، أو «انطباق الدين مع مقتضيات الزمان»، أو «إصلاح المعرفة الدينية»، أو «الإسلام العملي»، أو «الاندماج في الفضاء المفهومي الكوني»، يتعين إعادة تفكيك المفاهيم وتجليتها، بسبب ما لحق بها من توجيه قضته حمولات أيديولوجية، أو تأويلات وظيفية لخدمة غرض سياسي منفعي محدد.

ولعل في مقدمة ما يتعين إماطة اللثام عنه هو الإجابة عن سؤال: هل الخطاب الديني واحد، أم أن لدينا خطابات دينية متعددة. وفي موازاة ذلك، ثمة سؤال: هل المقصود بالخطاب الديني الخطاب الإسلامي على وجه الخصوص، أم أن المشكلة تشمل الخطابات الدينية المسيحية واليهودية، وربما أيضاً خطابات الحركات الدينية خارج دائرة التوحيد؟ ومن شأن طرح هذه الأسئلة، وردّها إلى أصولها اللغوية والاصطلاحية والأيديولوجية أن يؤسس لقاعدة فهم الخطابات الدينية وتفكيكها، وهو ما تصدى له المؤتمر الثاني لمؤسسة «مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث» في مراكش منتصف الشهر الجاري، بمشاركة واسعة من المشتغلين بالفكر والفلسفة والباحثين ورجال الدين المسيحي والإسلامي بطوائفهم السنيّة والشيعية والدرزية، في لقاء عكس التنوع والاختلاف، والرغبة المشتركة في تنقية الأديان مما علق بها من شوائب سياسية، وإعادتها إلى نبعها الصافي.

وعلى رغم حساسية الموضوع الذي اندرج المؤتمر تحت يافطته: «الخطاب الديني: إشكالياته وتحديات التجديد»، إلا أنه حفل بمداخلات جريئة وقيّمة وخلافية من حسن حنفي، ورضوان السيد، وهاني فحص، وعبدالجبار الرفاعي، واحميدة النيفر، وسعيد شبار، وبعض الباحثين الشباب الذين قدموا رؤى مبتكرة حلقت خارج السرب المفاهيمي المنمذج للفكر العربي، وبرز من بين هؤلاء يونس قنديل، ويحيى اليحياوي، وهالة فؤاد. وكانت أسئلة الإسلام السياسي، وخطاب الحركات الجهادية، ومحددات الخطاب المقاصدي في سلم الأولويات والهواجس التي تشارَك فيها الباحثون القادمون من أكثر من عشرين دولة عربية وأجنبية، والذين يربو عددهم على الخمسمئة شخص، وبالتالي خمسمئة حساسية وتصوّر ومقاربة لفهم الدين، وسبل الخروج من عنق الزجاجة، والالتحام بالفضاء الكوني الذي يتعين على الأديان بعامة أن توسع أمداءه، لا أن تحيله إلى سجن من الطقوس والشعائر والوعد والوعيد.

وما يجعل مثل هذه الملتقيات تحوز قدراً عالياً من الأهمية أن التصورات المنبثقة منها تصدر عن فهم فلسفي وفكري لمقتضيات الدين والدنيا، لا يتوافر عليه السياسي، أو الحركي الأيديولوجي المنخرط في تحصيل المكاسب البراغماتية، أو في برامج الدعوة الرامية إلى تكثير الأنصار، أو في التحويل الميكانيكي للنص الديني إلى رافعة لتكفير الآخر وأبلسته والسيطرة عليه، وقتله، أو الزعم بمعرفه ما يريده الله، والنطق بلسان السماء.

وكان المفكرون والفلاسفة، على مرّ التاريخ، في مرمى نيران رجال الدين والفقهاء، لأن الأوائل يفكرون خارج سرب النص الصنمي، ويولّدون الأفكار، ويجترحون الفهوم، ويشتبكون مع الظلال الكثيفة للنص، فلا يبقون أسرى المعنى المباشر المنزوع الخيال، والخالي من ماء الخير والرحمة والمحبة.

ولا غرو أن يصف «حجة الإسلام» الإمام الغزالي الفلاسفة بالكفر والإلحاد، فقد خرج من ينعت المؤتمر والمشاركين فيه بصفات لم تبتعد كثيراً عما فعله الغزالي قبل ألف عام، كأنما عقل الماضي يعمل بكفاءة في الراهن، وينهل من المعين ذاته الذي عطّل الفعالية النقدية لحركة النص والعالم، وأعاق تقدم المجتمع الإسلامي، ولا يزال يشهر سيف التكفير والتخوين والتشكيك في وجه كل من يفكرون خارج الصندوق، ويعملون على صياغة أفق مستقبلي يقرب مقاصد الدين من ثراء الحياة وتنوّعها، ويعيد المجد للإنسان، ويمكّنه على نحو خلاّق من القيام بواجب الاستخلاف في الأرض عبر إعمارها وتأثيثها بالعدل والحب والسلام.
* الحياة
للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث