نيران “صديقة”

نيران “صديقة”
المصدر: حسان حيدر

في عالم الاستخبارات والأجهزة الأمنية، كما نقرأ عنه أو نراه على الشاشات، هناك شبكات من المحترفين الذين ينفذون أوامر قادتهم بحماسة وإخلاص ويؤدون «واجبهم الوطني» بكل تفان ودقة، وينجحون في تحقيق الأهداف المرسومة لهم، سواء في عمليات جمع المعلومات او المراقبة والمتابعة، أو بالطبع الخطف والاغتيال، على رغم «الأضرار الجانبية» التي يلحقونها بأبرياء، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بتفجير سيارة مفخخة او عبوة ناسفة لاغتيال شخصية ما.

لكن هؤلاء قد يفشلون ايضاً في تنفيذ مهماتهم رغم كل التدريب المتقن والإجراءات الاحترازية التي يتخذونها، فإما ينكشف أمرهم ويعتقلون، وإما يُقتلون اثناء اداء «الواجب»، او يتمكنون من الفرار، ليتحولوا في معظم الحالات الى «احتياطيين» أو «منسيين»، بعدما باتت هوياتهم معروفة، وصاروا مطلوبين من اجهزة اخرى، ولم يعد بإمكانهم ربما سوى تأدية المهمات الإدارية البعيدة من الأعين.

لكن عندما تجدّ هيئات قضائية محلية أو دولية في البحث عنهم لمحاسبتهم في قضايا جنائية تورطوا فيها، او بسبب شكوك تحوم حول انخراطهم في عمليات اغتيال سياسية او تفجيرات طاولت شخصيات عامة ويحاسب عليها القانون الدولي، يتحول هؤلاء الى عبء ثقيل على اجهزتهم التي إما تخفيهم عن الأنظار بإرسالهم الى دول اخرى حليفة بعد تغيير بعض ملامحهم ومنحهم هويات جديدة، او بكل بساطة تتخلص منهم بطريقة «مشرفة».

وهذا الأمر شاع خلال الحرب الباردة بين الروس والأميركيين بمشاركة معسكر حلفاء كل منهم، والتي عرفت اجهزة الاستخبارات خلالها نمواً كبيراً ونشاطاً متعدداً لم يستثن بلداً او مجالاً.

وكان بعض الفصائل الفلسطينية المسلحة في لبنان، خلال عقدي السبعينات والثمانينات من القرن الماضي، لجأ الى هذا الخيار في «تصفية» بعض العناصر المتورطين في انشطة سببت اشكالات مع اطراف نافذين، لأن توقيفهم قد يتسبب في كشف ملفات اخرى اكثر خطورة من تلك المطلوبين بسببها.

وكذلك فعلت سائر الميليشيات التي كانت فاعلة على الساحة اللبنانية. وكثيراً ما كنا نشاهد ملصقات على جدران بيروت تنعى «القائد البطل» الذي سقط «شهيد الواجب»، في تجهيل للمكان والزمان، فيما هو تلقى رصاصاً «صديقاً» حل مشكلته بشكل جذري، وأخفى أي أثر له قد يلحق ضرراً بالتنظيم او الميليشيا التي ينتمي اليها.

ولجأ بعض الأطراف ايضاً الى صيغة «الانتحار»، وهي المفضلة لدى اجهزة الأمن السورية، على تعدد مواهبها. وهكذا «انتحر» كل من رئيس الوزراء السابق محمود الزعبي، والرئيس السابق للاستخبارات السورية في لبنان غازي كنعان. كما تحرص الأجهزة السورية من وقت إلى آخر على «توريط» اسرائيل في عمليات اغتيال، على رغم ان هذه ليست مقصرة في اعمال القتل والإجرام، بل غارقة فيهما حتى اذنيها، ولها فيهما سجل طويل، كمثل اغتيال العميد السوري محمد سليمان في احد المنتجعات السورية، في عملية مريبة يصعب هضم الرواية الرسمية عنها.

وهذا التقليد «الناجح» مع العناصر «المزعجة» تحول الى ما يشبه «مدونة سلوك» تعتمدها اجهزة الأمن والاستخبارات، خصوصاً لدى الأطراف المتحالفين الذين يخوضون «معركة واحدة» ويستفيدون من تجارب وخبرات بعضهم بعضهم، والأرجح انها ألهمت احزاباً وميليشيات حالية معروفة بقدراتها الأمنية وأجهزتها المتعددة، لاعتماد الأسلوب نفسه في التخلص من المطلوبين في صفوفها درءاً لأخطار توقيفهم ومحاكمتهم وما قد تفضحه.

(الحياة)

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث