رئيس مؤقت ونموذج دائم

رئيس مؤقت ونموذج دائم

سمير عطا الله

ذهب الرئيس عدلي منصور، صاحب أرفع منصب قانوني في مصر، يقترع مثله مثل أي مواطن. في قطر وقف الشيخ المصري يوسف القرضاوي يدعو إلى مقاطعة الانتخابات الرئاسية باعتبارها جريمة وظلما، «فقد انتهى عهد الحرية والشورى والديمقراطية»، ويقصد بذلك طبعا عهد الدكتور محمد مرسي، الذي كانت أعمدته الشورى والحرية والديمقراطية.

ذكرني مشهد الدكتور عدلي منصور يقترع بمشهد عبد الرحمن سوار الذهب مغادرا القصر الجمهوري. هذه ذروة الممارسة في الشورى والحرية والديمقراطية. وقبل يومين كان الجنرال ميشال سليمان قد غادر قصر بعبدا إلى بلدته الساحلية، ملتزما أصول وقواعد الشورى والحرية والديمقراطية. ولم يدع نواب لبنان إلى الامتناع عن انتخاب الرئيس الجديد باعتباره جريمة، بل دعاهم إلى الإسراع في ذلك لكي لا يبقى القصر مهجورا ومطفأ الأنوار. ثمة ظلم عفوي غير مقصود في حق الرؤساء المؤقتين. يعتقد الناس أنهم جاءوا ومضوا دون حكم أو إنجاز. لكن عدلي منصور تصرف وكأنه رئيس منتخب إلى ولاية. وجعل كل يوم وكل قرار نظيفا وعادلا ونموذجيا. وعبَّر عن فكرة الحرية والشورى والديمقراطية بأرقى ما هو ظاهر وممكن. ولم تغرَّه فكرة المؤقت الدائم، فهو يعتبر القانون الذي يمثله أهم ما في حياته وأهم ما في مسيرة مصر.

لم يحرِّض. ولم يتَّهم. ولم يصدر أحكام الإدانة من منزله. ولم يقرِّع المصريين لأنهم لم يخضعوا لمشيئته ورأيه. هذه الفترة القصيرة التي قضاها عدلي منصور في رئاسة مصر، أمضاها مثل قاض ينظر إلى العدل على أنه ميزان بكفتين. ومهَّد لمصر أن تقترع وأن تختار، لا أن تعتبر حق الاختيار جريمة وزورا.

لم يكن هذا رأي الشيخ يوسف في الاقتراع عندما أدّى إلى فوز محمد مرسي. ولا كان هذا موقف قطر وقناة «الجزيرة». الشورى والحرية والديمقراطية لها تفسير واحد هو حرية الاختيار. وإلا كانت مصر وفرت على نفسها مرحلة محمد مرسي وآثارها ثم النزول إلى إنهائها، لو تأملت المرحلة واقترعت بهدوئها لا بغليانها. لو سلمت المرحلة الانتقالية إلى حكيم عادل مثل عمرو موسى يعرف أن الحكم ليس انتقاما ولا نزوة ولا فئران مختبرات.

لكن مصر كانت تعيش في غلو الميادين وحماسها وإيقاعها الهادر. والميادين تعبير حقيقي عن مشاعر الناس، لكنها ليست تعبيرا عن أصول الحكم وإدارة الدول. ونأمل أن يكون عهد الاستقرار قد بدأ. أن تهدأ مصر. وأن تختفي لغة التحريض والفرقة والغضب والحقد والثأر. وأن تخرج مصر من أسر الألفاظ العاتية، إلى الحرية والشورى والديمقراطية. هذه لها أهلها. وهم لا يحرضون ولا يثأرون ولا يدقون الأسافين في هدوء مصر ومستقبلها ومكانها ودورها.

تحية إلى عدلي منصور. لقد كان رئيسا مؤقتا ونموذجا دائما.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث