حذار من المثالية والمثاليين

حذار من المثالية والمثاليين
المصدر: خالد القشطيني

أنا رجل مثالي، عشت على المثاليات والأحلام. حلمت بالوحدة العربية وطرد الاستعمار وإقامة مجتمع اشتراكي يقوم على المساواة بين المواطنين، وحتى بين الرجل والمرأة. بيد أن هذه المثاليات أودت بي، كما يرى القراء الكرام، إلى سلسلة من الخيبات. كان آخرها الضربة التي تلقتها الحركة التعاونية التي عشت على مأكولاتها، ولبست ملبوساتها. اتضح ذلك بعد الضربة القاسية التي تلقاها البنك التعاوني، الذي أوشك على الإفلاس، واضطرته لبيع المزارع التعاونية الفاشلة بأبخس ثمن للصينيين.

بريطانيا أم الحركة التعاونية التي بدأها المثاليون في القرن الـ19 بديلا للنظام الرأسمالي. تشتري أسهما فيها توظفها الجمعية في مشاريعها التعاونية، وتوزع أرباحها على الأعضاء الذين يبتاعون منتجاتها وخدماتها وقد يشتغلون فيها. سرعان ما تعاظم شأنها وأصبحت تسد حاجات أعضائها من المهد إلى اللحد. تتولى قابلاتها وطبيباتها العناية بولادتك، وتقوم بدفنك أو حرقك، حسب طلبك، عند حلول أجلك. وهناك المقبرة التعاونية تنتظرك.

تأسست الجمعية التعاونية على أسس ديمقراطية. يتخذ الأعضاء كل قراراتها ويصوتون على كل ما تقوم به. وهذه هي المصيبة، كما اكتشفنا مؤخرا في الربيع العربي.

وأعضاء الجمعية قوم مثاليون؛ انتخبوا رجلا لا يعرف شيئا عن الصيرفة وإدارة البنوك. انتخبوه لأنه كان مؤمنا بالاشتراكية، وينتمي لحزب العمال. اعتقلته الشرطة مؤخرا بعد ضبطه يتناول الأفيون. ويظهر أنه اتخذ قرارات البنك تحت فعل الأفيون، فأضاع أموال الناس، وعرض البنك للإفلاس.

في مغامرة أخرى، قرر الأعضاء منافسة مؤسسات الموضة والمخازن المترفة الكبرى كـ«هارودز» و«سيلفريجز». فتحوا مخازن من هذا النوع تقوم بتصميم فساتينها وأحذيتها ومكياجها نساء اشتراكيات ملمّات بالبيان الشيوعي وأصل العائلة لإنغلز. تحاشت حسناوات لندن حتى دخول هذه المخازن، لئلا يراهنّ الشباب خارجات هذه المخازن التعاونية، كانت نكبة أخرى تعرض لها رأسمال الجمعية. جرت تصفية هذه المخازن بخسائر فادحة.

الحقيقة أنه ما من شيء دمّر الحركة الاشتراكية أكثر من المثاليات التي تمسكت بها؛ يسندون المناصب الإدارية الحساسة لا للملمين بأعمالها والمؤهلين لها، بل لأي شخص يتشدق بكلمتين أو ثلاث من كارل ماركس «ويتجاوب مع الثورة»، بحمل جريدة الحزب والتظاهر بقراءتها. وتراهم بصورة عامة يؤمنون ويتوهمون بأن الآخرين سيكونون مثلهم في المثالية، لا يسرقون ولا يرتشون ولا يتكاسلون في أداء الواجب. وعندما ينخفض الإنتاج، وتشرف المؤسسة على الإفلاس تراهم يزوّرون الأرقام، انطلاقا من المثالية!

والمصيبة الكبرى أن المثالية مركب سهل يستطيع أي أفّاق ونصاب أن يتظاهر بها. كل ما يحتاجه بضعة شعارات سياسية يرددها كالببغاء. وما أسهل التقمص والتظاهر. بضعة أشهر وتراه يخوض في أمواج المثاليين الآخرين حتى يتسلق على أكتافهم. اللهم نجِّ هذه الأمة من سذاجة المثالية ومخالب الانتهازية.

(الشرق الأوسط)

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث