انطباعات من القاهرة

انطباعات من القاهرة
المصدر: عريب الرنتاوي

في الطريق من “ميناء القاهرة الجوي” إلى فندق السفير في حي الدقي، لم أعثر على صورة واحدة للمرشح الرئاسي حمدين صباحي … على مدخل الحي، عُلقت يافطة واحدة، مزقتها الرياح جزئياً، حملت صورة للرجل وشعار حملته الانتخابية “مصر اللي جايّة” … في المقابل، كانت الطريق على جانبيها، وطوال الوقت، مزدانة بصور المشير عبد الفتاح السيسي، بمختلف الأحجام والألوان، وغالباً تحت شعار حملته الانتخابية: “تحيا مصر”، من دون أن يغيب عن بال كثيرين من مقدمي هذه الإعلانات الكبرى، تذييلها بتوقيعاتهم وعبارات التمجيد والتقدير.

لكأنك أمام استفتاء رئاسي، وليس انتخابات رئاسية …. هذا هو الانطباع الذي يخرج به الزائر للقاهرة التي غرقت أمس في “صمتها الانتخابي” … بيد أنك حين تتوغل أكثر في ثنايا المشهد السياسي والإعلامي المصري، تكتشف أن حملة صباحي، نشطة بدورها، ولكن بأدواتها الشعبية “الفقيرة”، وهي تعتمد على المؤتمرات والمهرجانات في القرى والأحياء، أما السيسي فقد قرر إدارة حملته الانتخابية عبر وسائل الإعلام، واللقاءات المنظمة مع مختلف شرائح النخبة السياسية والاقتصادية والفنية والثقافية والاجتماعية المصرية … إنها حملة باذخة بلا شك، وعالية التكاليف بكل تأكيد.

لا أحد في مصر يحبس أنفاسه … لسنا أمام انتخابات الإعادة التي جاءت بالدكتور محمد مرسي بفارق أقل من واحد بالمائة على منافسة الجنرال أحمد شفيق … نتائج الانتخابات معروفة مسبقاً، الأسئلة التي تشغل النخبة المصرية تدور حول نسبة الاقبال على الاقتراع، وحجم الفارق في الأصوات التي سيحصل عليها كل من السيسي والصباحي، لا أكثر ولا أقل.

بالنسبة للمشير، الذي رفعته التوقعات والرهانات، عالية السقوف، فإن أكثر ما يقض مضاجعه هو تدني نسبة الإقبال على الانتخابات، إن لأسباب تتعلق بنفوذ حملة المقاطعة، أو لأحرى تتصل بضيق المصريين من كثرة الانتخابات والاستفتاءات التي مرّوا بها، أو لأسباب تتصل بركون مؤيديه إلى النتيجة المحسومة سلفاً لصالحه، وبالتالي ترددهم في تجشم عناء الذهاب إلى مراكز الاقتراع … وأخيراً، إن لسبب يتعلق بالعامل الأمني، الذي قد يفت في عضد جزء من المصريين، فيدفع بهم لملازمة بيوتهم “وكنباتهم” في يوم الاقتراع العظيم، بدل المجازفة بالذهاب إلى مراكز اقتراع، قد تكون مستهدفة من قبل قوى إرهابية وعنفية.

بخلاف ذلك، فإن ما يقلق المشير، وكل داعميه في الداخل والخارج، هو سيناريو ما بعد الفوز بمقعد الرئاسة، فهو، تنتظره تحديات جسام، تنوء بحملها الجبال، وصبر المصريين لن يطول، و”على قد المحبة قد يكون الغضب والإحباط كبيرين” … هنا التحدي الأكبر، وحول مرحلة ما بعد الانتخابات، تدور حوارات النخب المصرية، حول الأولويات وكيفية التعامل معها، وفرص الخروج من الاستعصاءات، وقدرة الشعب المصري على منح الرئيس السيسي “فترة سماح” كافية، للعمل على تنفيذ وعوده.

والرئيس العتيد، يواجه تركة ثقيلة، الأمن والاستقرار في صدارتها، فلا سياحة ولا استثمار ولا انتعاش اقتصادي، من دون أمن وأمان، ومشوار مصر مع استعادة أمنها وأمانها، ما زال طويلاً، والدولة بأجهزتها المختلفة، ما زالت تدور في حلقة مفرغة، برغم مضي ما يقرب من العام على سقوط حكم الإخوان وإسقاط نظام مرسي … والحقيقة أن السيسي، حاكم مصر الفعلي، طوال الفترة الفائتة، ليس لديه وقت طويل للتعامل مع هذا الملف المتفجر، الذي قد يرتد عليه، بأوخم العواقب.

وإن كان التعامل مع التحدي الأمني أمراً صعباً، فإن من ينظر لواقع الاقتصاد والخدمات والبطالة والفقر وأزمات الطاقة والوقود، التي تجابه الرئيس المنتظر، يدرك أن مصر بحاجة لمعجزة للنهوض على أقدامها من جديد، ونحن في عصر، انقطعت في المعجزات، ولم تعد السماء تمطر الكثير منها … نجاح السيسي أو فشله في إقناع رجل الشارع المصري العادي، بأن ثمة تقدم ينجز على طريق معالجة هذه المشكلات، سيكون المحك لمستقبله ومستقبل مصر، وسيكون “القول الفصل” في بقاء الأسطورة، أو ارتداد السحر على الساحر.

لا حدود لتوقعات المصريين البسطاء من السيسي، ولا حدود لغضبهم إن أصابتهم الخيبة والإحباط من أدائه … سيتساهلون معه ومع رموز النظام القديم التي تطل برأسها تحت جناح حملته الانتخابية، إن كان ذلك سيفضي إلى تغيير يرضي المصريين ويلبي تطلعاتهم … لكنهم سيرتدون عليه، ويتحول تأييدهم إلى غضب شديد، إن هو أعاد “الفلول” إلى صدارة المشهد، من دون أن يقطف المصريون البسطاء، أية ثمار لثورتين عظيمتين فجرها الشعب المصري في غضون عامين أو أزيد قليلا.

لن نبادر بالحكم على عهد الرجل، وهو الذي لم يجلس بعد على كرسي الرئاسة … بيد أننا لا نتفق مع القائلين بأن السيسي يجسد شعارات ومطالب ثورتي يناير ويونيو … وإذ نرى كما يرى كثيرون، أن شعب مصر سيمنح رئيسه فترة سماح قد تطول أو تقصر، إلا أننا لا نستبعد، أن تقدم مصر على تفجير “ثورة ثالثة”، إن عادت القيادة الجديدة لممارسة أعمالها كما فعل الذين من قبلها … مصر أطاحت بنظامين في زمن قياسي، وقد تطيح بنظام ثالث … الكرة في ملعب النظام، الكرة في ملعب السيسي، ومن سوء حظه، أن ليس لديه وقت طويل للتصرف بها … مأزق مصر والمصريين، ليس من النوع القابل للتأجيل والانتظار، فإما التصرف أو الانصراف، طواعية أو على قاعدة “مكرٌه أخاك لا بطل”.

(الدستور)

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث