قطار لا يتوقف لكنه لا يصل

قطار لا يتوقف لكنه لا يصل
المصدر: سمير عطا الله

وتمر هذه الآفة بأناس كثيرين في قارات كثيرة، لكن يحلو لها التوقف الطويل عند الذين يمضون نصف نهارهم في القراءة والنصف الآخر في الكتابة. هذه عادة فائقة الجمال، لكن آثارها الجانبية تتمثل في انحناءة العنق والتواء العمود الفقري والبحث عن طبيب جديد في أي مكان تصل إليه، لعله أفضل من السابق.

لكن الأطباء يلتقون في كل مكان على عادة سيئة هي مطالبتك بالتمارين. وما من أحد منهم يعرض أن يقوم بها عنك. لا بد أنك لاحظت في مطارات العالم أن مراكز التدليك أصبحت تنافس الأسواق الحرة، فبدل أن تقضي فترة الانتظار جالسا تقرأ صحيفة، تقضيها بين يدي السيد المدلك، وهو يعرف تماما مما تشكو. أنت كائن معاصر تنتقل من سيارة إلى قطار، ومن مطار إلى مطار، وفي النهاية تكتشف أنك تستقل «قطار العروبة» مع الدكتور كلوفيس مقصود. وهو قطار لا يتوقف لكنه أيضا لا يصل. وإذا قرأت مذكرات هذا السياسي الدبلوماسي التي تحمل هذا العنوان (الدار العربية للعلوم – ناشرون) فقد يخطر لك أن تغير عنوانها إلى «العروبي الأخير» على طريقة «البدوي الأخير».

عثرت في نيويورك على مركز لمعالجة المفاصل المتعبة. تمنيت لو أنني عرفته من قبل. بعد نحو شهر من العلاج اليومي سألت الطبيبة عن نسبة التقدم، ففكرت قليلا ثم أجابت مثل آلة حاسبة: «20 في المائة». وكان ذلك عظيما. واكتشفت من زيارات العيادة أن سكان نيويورك (نحو 12 مليونا) وزوارها (نحو 55 مليونا) يعانون بشكل أو بآخر داء العصر. ولم تعد العيادات تكفي. فالصينيون يجتاحون المدينة، بعضهم يشتري من أبراجها، مما فضل عن الروس، وبعضهم يغرقها بالمطاعم. أما القادمون الجدد فقد غزوا الأسواق المحلية ومعهم الإبر الشهيرة. فإلى جانب عربات الخضار والفواكه، هناك صينيون يبتسمون ويغرزون الإبر في الأكتاف والأعناق. وسوف تراهم قريبا في المطارات، إلى جانب مراكز التدليك، وربما في الأسواق الحرة.

البعض مقتنع بجدوى الإبر الصينية، والبعض، مثلي، يفضل الطب الأميركي. عشرون في المائة، نعمة كريم، وإذا قُدِّر لي أن أقوم أنا بالتمارين بدل أن أتركها للطبيب فقد ترتفع النسبة مع الأيام، أو مع «قادم الأيام» كما يصر السادة الصحافيون هذه الأيام، كأنهم عصافير في جوقة واحدة. قلد، يُقلد، يُقلدون.

(الشرق الأوسط)

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث