طريق المالكي إلى «الولاية الثالثة»

طريق المالكي إلى «الولاية الثالثة»

عريب الرنتاوي

بعض الذين أخذوا على نوري المالكي أنه قفز إلى سدة رئاسة الحكومة من “القائمة الثانية” في ترتيب القوائم الفائزة في انتخابات 2010، هم الذين يسعون اليوم، لسلب المالكي حقه كزعيم للقائمة الانتخابية الفائزة الأولى، والبحث عن رئيس للحكومة من بين القوائم التي حلت في مواقع متأخرة في السباق الانتخابي.

مع أن الفارق بين التجربتين، كبير وهائل … فعندما “اختطف” المالكي كرسي الرئاسة في انتخابات ،2010 من بين يدي إياد علاوي، لم يكن يفصل قائمته، دولة القانون، على القائمة الأولى، العراقية، سوى مقعدين اثنين … اليوم تكاد المسافة بين قائمة “دولة القانون” والقائمة الثانية في سلم الفائزين، تقارب الستين مقعداً، ما يجعل المقارنة غير جائزة على الإطلاق.

الأرقام الرسمية للانتخابات تشير إلى نجاح “دولة القانون” في الحصول على عدد من المقاعد، يعادل ثلاثة أضعاف العدد الذي حصدته القائمة الثانية (الصدريون وحلفاؤهم) … وهي تزيد بكثير، عن إجمالي عدد المقاعد التي حظيت بها مختلف القوائم الشيعية مجتمعة … وتكاد تعادل إجمالي المقاعد التي حصلت عليها القوائم الكبرى الأربع (الصدر، الحكيم، النجيفي وعلاوي)، ما يعني أن الرجل بات الأوفر حظاً في ترؤس الحكومة لولاية ثالثة، رغم المصاعب والأفخاخ العديدة التي تعترض طريقه.

هي أنباء غير سارة على الإطلاق، لخصوم المالكي في العراق والإقليم … لا سيما بعد أن خرج الرجل عن حذره وصمته، وأخذ يسمي كثير من دول المنطقة بأسمائها، مذيّلة بلائحة اتهامات تصل حد التورط في دعم الإرهاب الذي يضرب العراق … وهو أمر سيُملي على كثير من الأطراف، إعادة النظر، طائعة أو مرغمة، في موقفها من المالكي وحزبه، وهنا تكمن “قوة صناديق الاقتراع” وشرعيتها التي لا تقاوم، ومن الصعب الطعن بها.

على المستوى الشخصي، كانت نتائج الانتخابات نصراً شخصياً، وليس سياسياً فقط، للمالكي، فهو الرجل الذي حصد أعلى نسبة من الأصوات الناخبة لشخصه، وليس قائمته فحسب … قرابة ثلاثة أرباع مليون صوت حصدها من بغداد، وهي تعادل ثلاثة أضعاف ما حصل عليه إياد علاوي، وستة أضعاف ما حصل عليه النجيفي، والفارق بين حجم الأصوات المتحصل عليها، والأصوات التي نالها أقل أعضاء البرلمان العراقي “شعبية”، يكاد يصل إلى سبعمائة ضعف.

سياسياً، لن يكون بمقدور المالكي أن يشكل حكومته الثالثة، منفرداً، فهو بحاجة لما يزيدعلى 70 صوتاً إضافياً على الأقل، لتشكيل حكومة الأغلبية السياسية التي يدعو لها … والمؤكد أنه و أركان حزبه، شرعوا منذ الآن، بحشد الدعم والتأييد من قبل الكتل الأقرب … الرجل سيكون بحاجة لتمثيل سنّي قوي في حكومته، إن هو أراد تبديد “الصورة المذهبية” المحيطة به، ولا أدري إن كان “شتات القوائم” السنية، سيعوض عن غياب “متحدون” عن الائتلاف الجديد الحاكم …وهو بحاجة لتمثيل كردي قوي كذلك، إن أراد حفظ وحدة العراق وتماسكه، وهنا لا أدري إلى أي حد سيكون “الاتحاد الوطني” قادراً على توفير المظلة الكردية، في حال ظل “الديمقراطي” على خلافه الأكثر حدة، مع المالكي.

الخلاصة، أن طريق المالكي لولاية ثالثة، سيكون طويلاً وحافلاً بالصفقات والتسويات والاجتماعات المضنية والطولية … لكن مهمة الرجل ستكون أسهل، إن بلغ قطار التقارب السعودي – الإيراني إلى محطة التوافق والتفاهم … عندها سيختفي كثير من “الفيتوات” السنيّة المشهرة في وجه الرجل … لا يحتاج الرجل إلى أكثر من “ضوءٍ برتقالي” من الرياض، وهو الحاصل على ضوء أخضر مزدوج: واحد من طهران والآخر من واشنطن … وليس ثمة ما يمنع “سيناريو” كهذا من التحقق، سيما في ضوء ما نشهد من انفراجات في جدران العلاقات الإيرانية – الخليجية (ومن ضمنها السعودية)، وما نراه من دعم أمريكي قوي للمالكي، سياسياً من خلال الإشادة بحسن سير الانتخابات، وامنياً في حربه على الإرهاب الذي يكاد أن يأتي على أخضر الأنبار ويابسها، دعم عنك ما يتهدد المحافظات السنيّة الأخرى.

نتائج الانتخابات العراقية، لا شك أثلجت صدر طهران ودمشق، ومن يتابع إعلام البلدين، يلحظ قدراً من “الاحتفالية” في تغطية هذه النتائج، في حين لا ترى على القنوات وصدارة الصحف الناطقة باسم “المحور الآخر” سوى التصريحات الطاعنة بنزاهة الانتخابات، والمشددة على العراقيل التي تعترض طريق “الولاية الثالثة”، لرجل طالما نُظر إليه، بوصفه ممثلاً لـ “ولاية الفقيه” في العراق، ورأس جسر للنفوذ الإيراني فيه.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث