«نوبل» وبوكو حرام

«نوبل» وبوكو حرام

سمير عطا الله

يقول وولي سوينكا، النيجيري حائز نوبل الآداب، إن «بوكو حرام»، سفاحة بلاده، تعود في جذورها إلى الأنظمة الديكتاتورية التي مرت بالبلاد، وخصوصًا مرحلة ساني أباشا في التسعينات. أعتذر عن القول إنني كتبت هذا الكلام هنا قبل الربيع العربي وقبل «داعش». أعتذر لأنني أعتقد أن لا شيء يثير الغثيان مثل الادعاء ورائحة النرجس العائم فوق المستنقعات. لكنه الاضطرار، سامحونا.

لا تحتاج المسألة إلى عبقرية. النُظُم الجائرة تفرض الخوف والظلام. وفي الظلام وغياب النور لا مكان للنبت الصالح. في العتمة ينشأ المعتمون والأفكار السرية والحركات المقنعة، وينتشر رافضو المعرفة ولا تُطاق المصابيح، وتُحرق الكتب ليتدفأ بها تجّار الموت وخطبة الدمار، ولا يَعِدُ الجهل بشيء سوى الدماء والموت والعنف.

عندما كتبت هنا قبل نحو 20 عامًا، عن فظاعة سقوط الدول تحت قبضة رجال مثل ساني أباشا، كتب قارئ، لبناني على الأرجح، إلى البريد يعيِّرني بأنني لا أعرف في شؤون أفريقيا ما يكفي. صحيح. لا أعرف ما يكفي عن الرجل الذي ما إن يتحرر حتى يستعبد شعبه ويدفع به إلى الجحيم. نهب ساني أباشا، نقدًا، خزائن نيجيريا. ونهب حكام آخرون شعوب أفريقيا البائسة والفقيرة وتركوها تغني لكي تنسى جوعها. بعض أهل النظام العربي تعاملوا مع البنوك المركزية وكأنها بقالتهم الخاصة. كتبت منذ سنوات، وقبل سقوط النظام العراقي السابق بسنوات، أن الخوف ليس من نهايته، بل مما ينشأ الآن من قوى في سجونه وفي سجنه الأكبر. وكتبت الشيء نفسه عمّا يمكن أن ينبت في ظلام ليبيا بعد أربعين عامًا من الذل والعتم والحديد والاضطرار إلى تحمُّل الخطب والبرامج الإذاعية والتهريج اليومي القاتم.

تبرز حركة بوكو حرام في الوقت الذي تتجه فيه أفريقيا، للمرة الأولى في تاريخها، نحو الازدهار والدولة المدنية والبروز على خريطة النمو العالمي. للمرة الأولى هناك كلام عن «نمور» أفريقية مثل نمور آسيا. وفجأة، تظهر في أكبر دولها وأغناها، حركة تعود بالحالمين إلى ما قبل عصر الغابة والأدغال.

الغياب الطويل للحياة المدنية والحياة الطبيعية وانتشار الفقر واليأس والأنظمة الديكتاتورية المرعبة التي امتدت على طول القارة، لم يكن من الممكن أن تؤدّي إلاَّ إلى هذا العنف المرعب والمريب أيضًا. فمثل هذه الموجات المنفلتة من أي ضابط إنساني، لها عادة ضابط سرّي في مكان ما. هذه ظواهر تخصَّب في أنابيب خاصة ثم تتجاوز توحُّش صاحبها.

كل ما يستطيع الكتّاب أن يفعلوا في الأزمنة المريعة هو أن يكتبوا. وأن يقولوا لمن يحبون، مع الاعتذار، إننا أخبرناكم من زمان، أن قراءة التاريخ هي أبسط القراءات. وأقساها.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث