في بحر الصين

في بحر الصين

سمير عطا الله

كان الفرنسي جان كوكتو روائيا مسرحيا ومخرجا سينمائيا يتألق في باريس ويشتهر حول العالم. منتصف الخمسينات قرر أن يقوم بجولة «حول العالم في ثمانين يوما»، على غرار الرحلة الخيالية التي وضعها مواطنه جول فيرن في القرن التاسع عشر. مثل أي فنان في تلك المرحلة، كان يحلم بأن يلتقي أسطورة الشاشة الأميركية من أيام السينما الصامتة، الممثل والكاتب والمخرج تشارلي شابلن. سعى إلى ذلك من خلال أصدقاء مشتركين على فترات متقطعة، لكن الظروف كانت تعاكس المحاولات لأسباب مختلفة، مرة عنده، مرة عند شابلن.

عام 1956 وصل كوكتو في جولته إلى بحر الصين. وقف عند مكتب التسجيل في الباخرة يستعرض أسماء المسافرين فأذهله أن يقرأ اسم شابلن. كتب له رسالة صغيرة وأرسلها إلى جناحه يطلب فيها رؤيته. ظن شابلن أن أحدا يعد له مقلبا، فذهب إلى مكتب التسجيل للتأكد. في المساء التقيا على العشاء إلى مائدة القبطان التي تستضيف كبار المسافرين كل ليلة في تقاليد البحار.

يروي كوكتو في «رحلتي الأولى» كيف صارت رحلة عمره هذه. الأيام التالية سوف يقضيها برفقة عبقري السينما الساخرة. أعد القبطان جناح استقبال خاصا يلتقي فيه الرجلان طوال الوقت. لكن كانت هناك مشكلة جوهرية. لا الفنان البريطاني الأصل يتحدث كلمة فرنسية واحدة، ولا الفنان الفرنسي يجيد كلمة إنجليزية. ومع ذلك كانت الحوارات طويلة وممتعة، يقول كوكتو. لقد نشأت بينهما لغة ثالثة كانت ربما أكثر تعبيرا. وقد عرضت زوجة شابلن، بوليت غودار، أن تتولى الترجمة بين الاثنين، لكن كليهما رفض ذلك: سوف يغرق الحوار في تفاصيل لا معنى لها.

كان شابلن منهمكا في كتابة السيناريو لفيلم جديد. بل كان يستعد لإطلاق مرحلة جديدة من حياته الفنية التي بدأها طفلا مشردا في مسارح لندن. ويقول كوكتو إنه لا شيء كان له معنى في حياة شابلن غير العمل. وكانت زوجته تتأفف من هذا التكرس الكلي. وهكذا قررا القيام بهذه الرحلة البحرية. لكن في البحر كما على الأرض، كان تشارلي يعمل. وقد أسرّ لصديقه الجديد بأن كل شيء عابر عنده، إلا العمل. الإبداع يستحق كل هذا العناء.

جسّد شابلن على الشاشة شخصية لا شبه لها في عالم السينما. أضحك رواد السينما على مشاهد المشرد الصغير وقبعته وعصاه وشاربيه القصيرين، الهارب دائما من ذوي الشوارب الضخمة. المشرد الجائع أبدا الذي يحاول سرقة قطعة حلوى هنا أو رغيف هناك. كانت الناس تقهقه غير منتبهة إلى أن هذا الشلال الصغير المضحك يهرج عليها، وليس لها.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث