أخذ الفكرة من عدوه

أخذ الفكرة من عدوه

سمير عطا الله

من أين يلتقط الروائيون المادة؟ من كل مكان. ما تعتقده حادثة بسيطة يحولونه إلى قصة وحوار وقراءة أفكار. يستعيرون له البهار والملح والسكَّر. فإذا ما كنت تظنّه عجينة بسيطة، يصير قطعة حلوى تُعرض في الواجهة ويسيل لها اللعاب. تتطلَّع أنت والرسام إلى منظر واحد، تتأمل معه الشجرة نفسها والبحيرة نفسها والتلة نفسها، لكنه يذهب إلى محترفه ويرسم ما لم تره. لذلك، يدفعون له ثمن عمله الألوف، وقد يعرضونه في المتاحف، وربما دخل التاريخ.

كنت أعتقد أن «العجوز والبحر»، رائعة إرنست همنغواي، جمعها من حياة الصيادين في موانئ كوبا الفقيرة. وقد كان هؤلاء عالمه، كما كان مصارعو الثيران في إسبانيا من قبل. مجرد حكاية سمعها وراح ينفخ فيها من أسلوبه الرائع ومخيلته الغنية. هكذا اعتقدت. وهكذا على الأرجح اعتقد جميع من قرأ التحفة الممتعة، التي هي بالنسبة إليّ أجمل رواياته، أو أبقاها على الأقل. فعندما أعود إلى قراءته بين حين وآخر، أجد أن روايات الحرب العالمية الثانية، ورواية الحرب الأهلية الإسبانية «لمن تقرع الأجراس»، فقدت علاقتها بالزمن الحالي، ولم يبق منها سوى طاقة همنغواي الصناعية ومدرسته التجديدية التي لا تزال حديثة إلى اليوم.

أكتشف الآن وأنا أقرأ مقابلة مع همنغواي، أن الروائي عثر أولا على سمكة القرش، ثم بحث عن الصيّاد الذي تصارع معها. القرش هو الذي يكرهه همنغواي. فقد اصطاد مرة سمكة تونا في فلوريدا بعد أربع ساعات من العناء، وما إن فرح بانتصاره حتى هاجمها قرش وقضمها بعيدا. ومن يومها كره القرش المعتدي. وكان يسمع حكايات مشابهة من الصيادين الفقراء في قريته الكوبية كوجيمار. وأخبرهم أنه لم يعد يخرج إلى البحر إلاَّ ومعه مسدس يطلق منه النار على أي قرش يراه في أي مكان: «ما إن يظهر حتى أصوِّب مسدسي إليه». وإضافة إلى المسدس، صنعت له خصيصا حربة حادة: «لن يهزمني هذا القرش المحتال بعد الآن. فهو يراقبك إلى أن تتعب أنت، وتتعب السمكة التي اصطدتها، فينقض عليها». لكنه يكن الإعجاب لبعض أنواع القرش. مثلا القرش «ماكو» أول من يظهر في الرواية: «إنه مقاتل بالغ السرعة والحنكة، لا تنجو سمكة منه. وهو ليس غبيا مثل القرش – النمر، الذي قد يلتهم علبة سردين إذا رآها معتقدا أنها سلحفاة بحرية».

من أجل تحويل الرواية إلى فيلم، استعان المخرج بأصدقاء همنغواي من صيادي كوجيمار. وطاف معهم البحار بحثا عن قرش يزن نحو 800 كلغ. وكان يقود عملية البحث وصولا حتى ألبيرو، مستشار المخرج في شؤون الصيد البحري، إرنست همنغواي.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث