جزيرة الأغنياء وبحار الفقراء

جزيرة الأغنياء وبحار الفقراء
المصدر: موسى برهومة

إن شاء المراقب أن يقلّب التوترات التي تعصف بالعالمين العربي والإسلامي، على مختلف وجوهها، فإنه بلا شك سيكون في مواجهة جذر مشترك يؤلّب تلك التوترات وينفخ في بارودها المتفجر. إنه الفقر الذي استشعر الإمام علي فظاعته، فتاق لو كان الفقر رجلاً كي يقتله.

ومن شأن الاستطراد المفضي إلى التدليل على الترابط العضوي بين الفقر والجريمة، والفقر والإرهاب، والفقر والأميّة، والفقر والجهل، والفقر والتخلف الثقافي والاجتماعي، أن يذكّر ويعلّق الجرس بأن الفقر هو أسّ المشاكل كلها في العالم كله، خصوصاً عالم العرب والمسلمين المفخّخ بالاحتقان الذي ينذر بأوخم العواقب.

إحصاءات المنظمات الدولية تشير إلى أن حوالى مئة مليون عربي يعيشون تحت خط الفقر، في حين أن زهاء 40 مليون عربي يعانون من نقص التغذية، أي ما يعادل 13 في المئة من السكان تقريباً.

ويتحدد خط الفقر بـ1.80 دولار يومياً، وثمة فقراء عرب لا يحصّلون دولاراً واحداً في اليوم، في الوقت الذي كشفت مجلة «فوربس» الشهر الماضي، قائمة أصحاب البلايين والملايين من 13 دولة في العالم العربي ممن تصل ثرواتهم مجتمعة 166.07 بليون دولار.

ويخشى المرء أن تنطبق حال صرخة رئيس جنوب أفريقيا السابق ثابو مبيكي «العالم اليوم أصبح جزيرة أغنياء تحيط بها بحار من الفقراء» على العالم العربي، على نحو تجد تلك الجزيزة نفسها عاجزة عن صدّ الأمواج المتلاطمة التي تقذف حممها جموعُ الفقراء والمهمّشين.

إذاً، «ما العمل»… ولكن ليس على طريقة لينين الذي بشّر، ذات زمان مترع بالطوبى، بعهد خال من الفقر والجوع والاستغلال الطبقي؟.

ربما يتعيّن أن تتدخل طاقة الإلزام الأخلاقي والمسؤولية الاجتماعية للدول والأفراد والأفكار والأديان والعقائد. فلو أن معشر المؤمنين، وليس المسلمين وحدهم، ومعه الجماعة اﻷخلاقية أيضاً، طبّق على نحو جوهري وخلاق اﻵية الكريمة «وفي أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم» لجرى القضاء على مشكلة الفقر في العالم. وهنا تتحقق مقاصدية الأديان واﻷفكار الكبرى، وتسري الروح اﻹنسانية في الجسد الكوني.

وإن كان الشيء بالشيء يذكر، فلا مندوحة من التذكير بأن مصاريف المسلمين الذي يتوجهون لأداء شعائر الحج كل عام تناهز الستة بلايين دولار. وفي المقابل، فإن أموال الزكاة لا تكاد تبلغ الفتات، مع ما يعني ذلك من تفاوت في الأولويات الدينية، وأي الفرائض الأساسية يتعين أن تتقدم لتتأخر الأخرى. وهل هناك حاجة لتعطيل فريضة ما في لحظة تاريخية معينة، تفادياً لانفجار، أو بحثاً عن حل جراحي يعوّض الإجراءات الوقائية المسكّنة؟.

الدينامية الدينية تقتضي أن تتوجه أنظار العلماء والفقهاء ورجال الدين إلى تفعيل النصوص الدينية، بما يحقق الغايات الكبرى، وبما يمكّن على المدى البعيد من أن يُفهم الدين بمعناه الخيريّ والصلاحيّ وطاقته الموجهة المبادرة الرائدة، لا بشعائره الكهنوتية المنفصلة عن الواقع.

أما أن تنشغل جمهرة الفقهاء بالهامش وتنسى المتن، فذلك دلالة على انحراف الدين عن مقاصديته، وانزلاقه إلى التفاصيل حتى أصبح الدين يغمر الحياة معاشاً ولباساً ونوماً وقياماً، فما من شاردة أو واردة إلا رصدتها لواقط الفقهاء حتى إن ما يتصل بالمرأة، فقط، من حبر الفتاوى يكفي لتسويد بحيرة بأكملها، بينما لا نجد إلا ذكراً خجولاً وعجولاً ومرتجلاً للمشاكل الكبرى، وفي مقدمها الفقر الذي ربما لم يقرص أمعاء أولئك الذين يحرمّون ويحلّلون، وكأن مصائر 250 مليون فقير مسلم أمر ترفيّ لا يستوجب الانتباه. ولعل أحوال الفقراء في العالم أشد ويلاً من نظيراتها في عالم العرب والمسلمين، فوفق الأمم المتحدة، تبلغ ثروة ثلاثة من أغنى أغنياء العالم ما يعادل الناتج المحلي لأفقر 48 دولة، كما أن ثروة 200 من أغنى أغنياء العالم تتجاوز نسبتها دخل 41 في المئة من سكان العالم مجتمعين. ويرى خبراء أن العولمة ساهمت في نشر الفقر وتدمير اقتصاد الدول النامية، وقوّضت مشاريع التنمية الاجتماعية التي كانت الدولة تتكفّل بها.

وبلا أدنى شك، فإن هذه الوقائع وسواها، تغذّي في شكل أو في آخر خطاب التكفير السلفي الذي يرى العالم من ثقب فسطاطين رسم حدودهما أسامة بن لادن: فسطاط الإيمان وفسطاط الكفر، أو دار الإسلام ودار الكفر.

ولكن، قبل نقض خطاب التكفير، يتعين نقد «خطاب الفقر» الذي قالت العرب إنه «مجمع العيوب» و «كنز البلاء». وقالت أيضاً: «ما ضُرب العباد بسوط أوجع من الفقر».

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث