ليبيا ما بعد

ليبيا ما بعد
المصدر: سمير عطا الله

رفعت خلال الثورة الليبية على جماهيرية الأربعين عاما أعلام الملكية التي أطاحها الملازم معمر القذافي. أثار منظر العلم نوعا من الطمأنينة في نفوس الناس. ليس لأن الملكية سوف تعود، بل لأن العلم يذكر الليبيين بالوحدة والورع وأقصى الحدود الممكنة من آداب الحكم في ظل إدريس السنوسي.

منذ سقوط الحكم الكرنفالي والعالم ينتظر أن يعود إلى ليبيا شيء من صورة الدولة وأصول الحكم. الأسبوع الماضي وقف وزير الداخلية يهدد دول أوروبا بأن “يفلت عليها المهاجرين”، فيما هو إهانة للمهاجرين ولأوروبا، وخصوصا أهل ليبيا. فهذا تماما ما كان يفعله القذافي. قبّل برلسكوني يده أمام الكاميرات لأنه وعد بوقف البلطجة. لكن الأخ القائد لم يغرق أوروبا بالمهاجرين الأفارقة، بل أغرق بهم ليبيا. وقد تحولوا في الثورة إلى مرتزقة يقتلون الليبيين، وإلى ضحايا يسحلون في شوارع المدن.

من يحكم ليبيا اليوم؟ كل ما نراه من مجالس وحكومات ورؤساء حكومات يبقون، أو يقرون، لا يشكلون حكما. الفوضى السائدة شهادة مزورة في صلاحية حكم القذافي ولجان البلطجة الشعبية والهزليات الدائمة التي كانت تشهدها الخيمة الملونة ألوانا فاقعة وخالية من الذوق والرحمة والعدل والولاء للناس.

ليس في ليبيا اليوم قوة مركزية أو قوة استقطابية أو قوة موحدة. فقد منع الجماهيري ظهور أي شخصية وطنية خلال 40 عاما. وبعد سقوطه، منع قانون العزل العشوائي رجالا مثل مصطفى عبد الجليل ومحمود جبريل من الاستمرار في إبقاء ليبيا على سكة الدول غير الفاشلة. وارتفعت أصوات الانفصال الفظة والمشبوهة وظهرت البثور القبلية التي كان يغذيها الأخ معمر وهو يرفع باليد الأخرى شعارات الوحدة العربية.

أضاعت ليبيا 40 عاما في الهباء المدمر والسخيف، ويبدو أنها مستمرة في الضياع والعوم في الفوضى. لم يترك الأخ القائد مؤسسة واحدة إلا ودمرها؛ من الجيش إلى الاقتصاد إلى التعليم. كان الدكتور أحمد إبراهيم الفقيه يقول إن الجماهيرية حجبت عن التلاميذ الكتب وأقلام الرصاص، فيما كان سيف القذافي يدفع مليون جنيه إسترليني ثمنا لشهادة الدكتوراه.

يتأمل المرء في ليبيا والعراق وسوريا ويرى دولا لا حدود لمساحاتها وثرواتها الطبيعية ومياهها وخصبها ونفطها وتراثها التاريخي. ثم يرى دمارا على مد النظر، وخرابا بمئات المليارات، ورجلا لا يملك لغة يخاطب بها الدول الأخرى سوى لغة القذافي. الثياب مختلفة. والعصا الذهبية غير ظاهرة.

(الشرق الأوسط)

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث