خاتمة بلا نهاية

خاتمة بلا نهاية
المصدر: سمير عطا الله

ختم الأخضر الإبراهيمي في سوريا حياة دبلوماسية تجاوزت ستة عقود. بدأ هذه المسافة العمرية سفيرًا للثورة الجزائرية لدى مصر يوم كانت الأمَّة تتفجر أملًا، وأنهاها مبعوثًا خاصًا للأمم المتحدة والجامعة العربية في يوم الأمَّة فيه مثقلة بالخيبة واليأس والجراح. أفاق على أمَّة شعارها الحرية والوحدة، وأنهى مسيرته وشعار الأمَّة سجن وكفن. كانت الوحدة كلمة السر وأغنية العلا، وصار التفسخ والانفصال والتفكك الحال والحول.

تردد الإبراهيمي طويلًا في القفز إلى المستنقع السوري. إنه خير من يعرف مستحيلات المسألة وضآلة الاحتمال، وهو خير من يعرف عقوق الوساطة ومحاذيرها وكيف ينظر إليها جميع الفرقاء. لكنه قرر، في نهاية الأمر، أن يجرب المستحيل. أن يمخر عباب محيط واسع من المتحاربين ويسير خلف أفق ضيّق من الأمل.

ما أصعب أن يمثل الرجل منظمتي الضعف في سباق القوة. أُعطي لمهمته جامعة عربية معتادة على الفشل، وأمم متحدة مصابة بشلل الفيتو. تُرك له أن يدور بين الرأس الروسي العنيد والرأس الأميركي الضائع. رأى نفسه من جديد في أفغانستان يحاول التقريب بين قوى محلية آخر همومها السلم الأهلي، وقوى دولية وإقليمية آخر همها سلم الأهالي وحياتهم وبيوتهم وأرزاقهم وأطفالهم.

أُعطي غصن زيتون وقيل له: «أطفئ حريق الشرق الأوسط الكبير». منذ اليوم الأول حذَّر الإبراهيمي من صومال آخر، لكنه وجد ما يجري أكثر فظاعة من الصومال وأبعد مضاعفات من أفغانستان. وجد معارضة يقودها برهان غليون، من السوربون، في مواجهة خصم يستخدم الـ«ميغ» والدبابات والبراميل المتفجرة. وجد مجالس وطنية على ضفاف البوسفور يتغير رؤساؤها كل ثلاثة أشهر، في وجه رئيس يطلب الولاية الثالثة بالاقتراع ورفع الأيادي.

لعل الأخضر في قراراته نادم على القبول بالمهمة. لا تليق به الخاتمة. ولم يكن يليق به أن يأتي في أعقاب وسيط جليدي يجر خلفه أعوامًا طويلة من الفشل والبلادة. لا ندري لماذا قبل أن يتولى مهمة اتخذها من قبله كوفي أنان، الباهت اللون رغم بشرته المحروقة بعذابات أفريقيا؟

تعرَّض الإبراهيمي، مثل جميع الوسطاء الموضوعيين، لهجوم الفريقين. تحمَّل تعابير وزير الإعلام السوري، ومقالات بعض الزملاء الذين أشهروا عليه عصيهم من الألفاظ وخشب التكرار الخالي من أي مفاجأة ولو كلامية. لم يرد على شيء، هنا أو هناك، رغم الطبع الجزائري الفوار. تجربة قومية مؤلمة، وتجربة دبلوماسية مريرة، وعامان من المعاناة في متاهة الأبواب المغلقة والقلوب المقفلة. انتهى كابوسه الشخصي، ولا مفر من الكابوس القومي والإنساني

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث