الممنوعات: كلمة حقيبة

الممنوعات: كلمة حقيبة
المصدر: سمير عطا الله

كانت كل كلمة تكتب في الأنظمة الشيوعية تُحال على الرقيب أولا. وكل كلمة تُقال تُحال على التدقيق. في رومانيا تشاوشسكو حذفت كلمة حقيبة من الاستخدام تماما، لأنها تعني السفر، والسفر يعني أنك لست مُطلق السعادة في نعيم نيكولاي تشاوشسكو، وزوجته إيلينا، الدكتورة في الكيمياء.

وكان ممنوعا منعا باتا استخدام كلمة نعش. فإذا تحدثت عن وفاة أحد تقول إنه وضع في «أثاث التراب»، لأن الناس لن تموت في جنة تشاوشسكو. هذا ما ترويه هرتا موللر، الرومانية التي نالت نوبل الآداب 2009. تقول إنها عندما رفضت في الجامعة العمل كمخبرة لدى الأمن، تعرضت لجميع أنواع الحملات والتهديدات، وأسوأها كان الإشاعة بأنها مُخبرة، مما حقَّرها في عيون رفاقها وعَزَلها عنهم.

“لا يقطعون أطرافك، لكنهم يهشمون عقلك. ساحة المعركة هنا ليست جسدك، بل دماغك واللغة التي تتحدث بها. وفي مواجهة مثل هذا النظام لا تدافع عن نفسك في الشارع، بل في (رأسك). إنها حرب حول كل شيء. حول الحاضر والماضي والكذب التاريخي وتكذيب الواقع: الشمولية في خلاصة الأمر مشروع لغوي. كان الهدف من الرقابة إلغاء أي إشارة دينية أو روحية من الذاكرة والنفوس»، تقول موللر. لم يعد في إمكانك أن تذكر «ملائكة الميلاد»، بل عليك أن تقول «مخلوقات نهاية السنة المجنحة». وحتى في محاولات إذلالها والتحقيق معها كانت اللغة هي الوسيلة. لا يخاطبها المحقق باسمها أبدا، بل بألفاظ من نوع «كمشة الوسخ» و«كلبة» و«طفيلية». وعندما يكون أكثر هدوءا كان يسميها “المومس”.

في الأنظمة الشمولية تعمل أجهزة المخابرات وكأنها «ورشة كلامية»، وحملات التشهير هي أسوأ أدوات التعذيب: «التشهير يجردك من روحك ويحاصرك ويقضي عليك اجتماعيا. فأنت عدو الدولة. بعد سقوط الشيوعية اطلعت موللر على ملفها ووجدت أنه كان لها نوعان من الملفات: واحد حقيقي وآخر متخيَّل يوزع عنها الإشاعات على أنها عضو في الحزب الشيوعي، شديدة التطرف، وترفع التقارير إلى المخابرات عن جميع رفاقها.

فوجئت موللر عندما قدمت كتابها الأول إلى الرقابة عام 1980 بحذف كلمة «حقيبة»، لأن موجة كبرى من الهجرة كانت قائمة يومها في البلاد. برروا لها الحذف بأن كلمة حقيبة تعني جمع الحاجات وتوليف الألبسة، تعني السفر، والسفر يعني المغادرة بلا عودة. فإذا لم تستخدم كلمة حقيبة في النصوص فإن الناس لن تفكر في الهجرة. والهيئة الحزبية المولّجة جنازات كبار الحزبيين كانت تسمى «جهاز الأفراح والأحزان». كان الحزب مقتنعا بأن في إمكان اللغة أن تغير العالم الحقيقي.

حتى النكات على النظام كانت أحيانا من وضع دوائر المخابرات من أجل تنفيس الاحتقان وتهزيل المعارضة. لم تنشأ هذه المدارس في رومانيا، بل في روسيا، وخصوصا في ألمانيا الشرقية. والأخيرة بعثت إلى العالم العربي كبار خبرائها وبقايا أفظاظها وعقولها المريضة، بينما انصرف كبير جلاديها إلى تأليف كتب الطبخ في نيويورك.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث