“رأس المال” الثاني

“رأس المال” الثاني
المصدر: خالد القشطيني

أصدر كارل ماركس في القرن التاسع عشر كتابه الشهير “رأس المال” وهز به عالم القرن العشرين. وبعد ما يقرب من قرنين، أصدر مؤخرا عالم اقتصادي فرنسي، توماس بكتي، عميد كلية الاقتصاد الفرنسية، كتابا يحمل نفس العنوان ويتناول نفس البحث ولكنه ينتهي بنهاية مختلفة. هز الكتاب أوساط الاقتصاد السياسي في العالم، ولا سيما في أميركا. إنه كتاب ضخم يبلغ نحو 700 صفحة، واستغرق 15 سنة من حياة هذا الباحث، لم يترك خلالها جانبا من التطور الرأسمالي الحديث إلا وقام بتشريحه واستكشافه.

يتفق بكتي مع ماركس في أن الرأسمالية ستمر بأزمة تهز كيانها وتمزقها. وفي ذلك ناقض طروحات اقتصادات السوق لآدم سميث وريكاردو ومؤخرا فريمان، في أن السوق الحرة ستجلب الخير للجميع وتقلص البون بين الفقراء والأغنياء. إنه يرى أن هذا البون آخذ في الاتساع وسيؤدي في الأخير إلى اضطرابات في المجتمع. فضلا عن ذلك، أن رأس المال لم يعد في رأيه أداة للتقدم كما كان في القرن التاسع عشر. فالرأسمالي الآن يكتفي باستثمار ملايينه في العقارات والودائع المصرفية ويحصل على مردود مضمون فلا يكلف نفسه بالمجازفة والإبداع والخلق والإنتاج. يعني ذلك تحجر النظام الرأسمالي.

ويهاجم بكتي مديري الشركات والبنوك على ما يمنحونه لأنفسهم من علاوات ورواتب خيالية لا يبررها شيء غير الجشع والسيطرة وغياب الرقيب. ولكنه لا يرى ما رآه ماركس من قبل في أن تناقضات الرأسمالية ستؤدي إلى سقوطها والثورة عليها.

كان توماس بكتي قد قضى وقتا داخل أوروبا الشرقية ودرس أسباب انهيار الاشتراكية فيها. إنه لا يؤمن بالمركزية والتأميم وتملك الدولة لوسائل الإنتاج والتوزيع. الحل الذي يؤمن به لإصلاح المجتمع هو الضرائب. إنه يعتبر ضريبة الدخل التي اهتدى إليها الإنجليز ووضعوا سننها، من أعظم مبتكرات العصر الحديث. ويوصي في هذا الإطار بفرض ضرائب متصاعدة وفائقة (سوبر تاكس) على الدخل والممتلكات تمكن الدولة من الإنفاق على الخدمات الاجتماعية والمصالح الحكومية. وبما يحد من اتساع الهوة بين الفقير والغني.

هذا طبعا ما سعت إليه الحكومة الفرنسية الراهنة، ولكنه أثار استياء عاما؛ فالضريبة أبغض ما يدفعه الإنسان من دخله. ويحرك دوما أصحاب الأموال إلى نقل أموالهم إلى حيث يأمنون عليها من أيادي مفتش الضريبة. وهو موضوع طالما يشغل بال الأحزاب السياسية في الغرب. لتفادي ذلك، يدعو توماس بكتي في كتابه هذا إلى عولمة الضرائب، وهو أن يخضع رأس المال للضريبة أينما كان في العالم، فلا يبقى حافز لتهريبه.

هذا في الواقع ما نجده في نظام الزكاة الإسلامي. فعلى صاحب المال أن يدفع الزكاة عما يملكه بغض النظر عن مكان المال أو مكانه هو، ويدفع عن الأصول وليس الدخل فقط.

ورغم كل الضجة التي أثارها هذا الكتاب عالميا، فلم يصدر حتى الآن «مانفستو» ثوري لفرض أحكامه على الأنظمة الغربية.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث