هل هي عودة للنقاش السياسي الجاد؟

هل هي عودة للنقاش السياسي الجاد؟

عمر الحمزاوي

منذ أيام قليلة، سجلت هنا أن مسؤولية الأصوات والمجموعات الباحثة عن الديمقراطية ومصر تقترب من مشهد الانتخابات الرئاسية هي أن تقبل تعددية المواقف/ التقديرات/ الاختيارات داخلها بشأن المشاركة في الانتخابات أو مقاطعتها، وأن تبتعد تماما عن تسفيه الرأي الآخر (للمقبلين على المشاركة التوجه إلى المقاطعة/ وللمقتنعين بضرورة المقاطعة قرار المشاركة)، وأن تعرض على المساحة العامة في لحظة يهيمن عليها الضجيج الردىء للصوت الواحد وللموقف الواحد نموذجا راقيا ومتسامحا لإدارة الاختلاف.

واليوم، أسجل إعجابي البالغ بالنقاش الدائر بين الأصوات والمجموعات الباحثة عن الديمقراطية بشأن ثنائية المشاركة ــ المقاطعة في الانتخابات الرئاسية القادمة، خاصة بين مستخدمي وسائط التواصل الاجتماعي وبين بعض كتاب أعمدة ومقالات الرأي في الصحافة.

يعرض المقتنعون بالمشاركة في الانتخابات ودعم ترشح السيد حمدين صباحي موقفهم موظفين الكثير من الحجج الهامة؛ ضرورة الاشتباك الإيجابي مع المشهد الانتخابي لكى لا يترك للقوى التي تريد إعادة عقارب الساعة إلى الوراء وإعادة إنتاج سلطوية الرئيس الأسبق مبارك، أهمية المشاركة ودعم ترشح السيد صباحى لكي يتمكن من المنافسة الفعلية لمرشح المكون العسكرى ــ الأمني/ الحكم/ النظام/ الدولة السيد عبدالفتاح السيسي وزير الدفاع السابق، حتمية المشاركة لكي تكتسب الحركة الديمقراطية في مصر وزنا انتخابيا (عند فرز الصناديق، عدد المصوتين للسيد صباحي) وتستطيع التعويل عليه في الحشد/ التعبئة/ التنظيم في دفع أجندة الحقوق والحريات والتنمية والعدالة الاجتماعية إلى الواجهة بعد الانتخابات، احتياج الحركة الديمقراطية لاكتساب الخبرات المرتبطة بالمشاركة في الانتخابات لكى تتطور قدراتها على المنافسة ويتنامي دورها المجتمعي والسياسي، ضعف بديل المقاطعة لاستحالة الحراك الثوري اليوم وخطره على الدولة والمجتمع (سيناريو الفوضى) ومن ثم رجحان كفة المشاركة في الانتخابات وتأييد المرشح الوحيد القريب من الحركة الديمقراطية (السيد صباحي) ومقاربة البناء التدريجي للديمقراطية عبر الاشتباك المتواصل مع المشاهد الانتخابية والسياسية.

أما الأصوات والمجموعات الأقرب إلى المقاطعة (وأنا هنا) فتعرض أيضا العديد من الحجج الهامة ودون تسفيه لموقف وتقدير المشاركين؛ غياب الجدية والتنافسية عن مشهد الانتخابات الرئاسية بسبب هيمنة المكون العسكري ــ الأمني/ الحكم على الدولة والمجتمع وحضور مرشح له في الانتخابات، خطر انحياز مؤسسات وأجهزة الدولة والخدمة العامة للمرشح السيد عبدالفتاح السيسي وزير الدفاع السابق، انحياز النخب الاقتصادية والمالية والإعلامية له نظرا للتداخل العضوي بين الحكم/ السلطة/ النفوذ وبين الثروة/ المال، سطوة فاشية الصوت الواحد والرأي الواحد على المساحة العامة وعمليات تزييف الوعي المستمرة التي تتعرض لها أغلبية المصريات والمصريين، معضلة المشاركة في مشهد انتخابي يضفي شرعية على ترتيبات حكم جاءت بعد خروج على الديمقراطية وتورطت في انتهاكات متتالية للحقوق وللحريات وقضت على فرص المنافسة في السياسة الرسمية ــ والانتخابات في موقع القلب من الأخيرة، معضلة المشاركة في مشهد انتخابى يحدث في ظل إعادة إنتاج للممارسات القمعية وبعد تمرير نصوص دستورية وقانونية قمعية، معضلة المشاركة في مشهد انتخابى تحصن أعمال اللجنة القانونية المشرفة عليه وتثار بشأنه الكثير من علامات الاستفهام حول معايير النزاهة، صعوبة تغيير الأوضاع القائمة اليوم عبر المشاركة في انتخابات رئاسية تغيب عنها الجدية والتنافسية وفي مرحلة تعانى بها الحركة الديمقراطية من ضربات قمعية متتالية ومن هيمنة فاشية الصوت الواحد التي تروج لمقايضة الخبز والأمن بالحرية، رجحان كفة المقاطعة مع توجه الحركة الديمقراطية للعمل الجماهيرى والتنظيمى والاقتراب اليومى من المواطن لإعادة أجندة الحقوق والحريات والتنمية والعدالة الاجتماعية إلى الواجهة وتفكيك مقايضة الخبز والأمن في مقابل الحرية عبر إقناع الناس بضرورة الجمع بينهم كحقوق لا مساومة عليها، إمكانية العمل الجماهيرى والتنظيمى بعيدا عن المشاركة في انتخابات معلومة النتائج سلفا وبعيدا عن التورط في دفع مصر الدولة والمجتمع إلى الفوضى وتوظيف الضغط الاحتجاجي على الحكم بعيدا عن إضفاء الشرعية عليه.

سيتواصل الجدل الراقي بين المشاركين والمقاطعين خلال الأيام القادمة، أملى كبير أن يتواصل أيضا الامتناع عن تسفيه الرأي الآخر وعن التشكيك في النوايا/ الدوافع/ موضوعية ووجاهة الطرح/ الوطنية، أملي كبير في أن تؤسس الحركة الديمقراطية بذلك لعودة النقاش السياسي.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث