الشك الأخير

الشك الأخير

سمير عطا الله

لمع الكثيرون من الكتّاب في حقول الأدب. الأسماء التي نعرفها في ما يسمى «الرواية البوليسية» كانت قليلة جدا والسبق منها للإنجليز: آرثر كونان دويل وبطله شرلوك هولمز. أغاثا كريستي وبطلها المفتش بوارو. وإيان فليمنع وبطله المتقدم جيمس بوند. البلجيكي جورج سيمونون ظل نسيجا منفردا: عندما أطفأ آلته الكاتبة الكهربائية يوم بلوغه السبعين، كان قد حطم أرقاما قياسية كثيرة: 500 رواية بين توقيع صريح وتوقيع مستعار. تنقل في 230 منزلا وقصرا حول العالم. وادّعى أنه عرف عشرة آلاف امرأة، معلنا أنه نادم فقط على اللاتي لم يتعرف إليهنّ.

كنت ربما في الحادية عشرة عندما نصحني أحد أعمامي بأن أقرأ روايات الفرنسي موريس لبلان وبطله الظريف أرسين لوبين. وكان ذلك كل اطلاعه. بعد ذلك انصرفت إلى القراءات الأدبية دون سواها، إلا مرورا بروايات أغاثا كريستي، لكن ليس لهدف الإثارة. فقد قيل لنا إن من يريد تحسين مفرداته الإنجليزية، عليه أن يقرأ كريستي وروايات سومرست موم. وكانت السيدة كريستي ذات أسلوب ساحر، ينسيك البحث عن الحبكة المشوقة والفاعل الأثيم.

سيمونون كان الأكثر غزارة في الإنتاج بأشواط طويلة. ومثل مصطفى وعلي أمين، كان لا يعيد قراءة ما يكتب على الإطلاق. وهذه إساءة إلى النفس غرقت فيها سنوات طويلة. الصحيح، أو الأصح، هو ما كان يفعله سعيد فريحة وغسان تويني. إعادة قراءة المقال وتصحيحه وملاحقته بالتعديلات حتى لحظة الطبع. كان سعيد فريحة يعطي الانطباع بأن كتابة «جعبته» لم تستغرق أكثر من عشرين دقيقة. الحقيقة أنه كان يملي ويمزّق، ثم يمزّق ويملي إلى أن يتعب الناقل ويهدد بالاستقالة. أو يخرج دون عودة، فيما يمضي الرجل في مصانعة الكلمة كأنما الجاحظ يراقبه.

إضافة إلى كتبه البوليسية كتب جورج سيمونون في الأدب. رأيت قبل أيام كتابا له، عنوانه «رسالة إلى أمي»، فأقبلت عليه فورا. يروي في هذه الرسالة أن العالم كله أعجب به، إلا هي. صدمتها الأيام وهي صبية ففقدت ثقتها بجميع الناس، وخصوصا به. دعاها مرة إلى قصره في فرنسا، فسألت رئيس الخدم: «هل حقا دفع جورج ثمن هذا البيت كاملا». ودعاها إلى فيللته في أميركا فسألت مدير الموظفين: «هل أنت متأكد من أن جورج لم يرهن هذه الفيللا».

رفضت أن تصدّق أن ابنها أصبح أحد أثرياء العالم. فقد والدها ثروته وهي في السادسة عشرة، فاضطرت أن تعمل بائعة في متجر. وكان سبب إفلاس الأب خدعة قام بها أحد أصدقائه. عندما جاء سيمونون إلى المستشفى يمضي الأسبوع الأخير إلى جانب سريرها، كانت تنظر إليه دائما في شك واضح: لعلك تفضّل أن تكون الآن في مكان آخر.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث