اللامعقول المحيط بنا

اللامعقول المحيط بنا

عمرو حمزاوي

في الأصل كانت المعلومة التي يتعين على الصحفية، الباحث، الكاتبة، السياسي الاجتهاد للوصول إليها، ثم عرضها على الرأي العام وشرح تفاصيلها وتحليلها للرأي العام. في مصر اليوم تغيب المعلومة، ويزيف وعي الناس، وتقدم لهم انحيازات وانطباعات مشوهة إلى حد العبث واللامعقولية بهدف وحيد هو إضفاء شرعية على الحكم، خدمة السلطان.

في الأصل كان الاستقلال المهني والمالي للصحفية، الباحث، الكاتبة، السياسي واستحالة الاستتباع لجهة عمل عامة، خاصة أو لمصدر تمويل جماعي، فردي كشرطين لممارسة الدور. في مصر اليوم ينهار الاستقلال المهني والمالي إن كان بسبب التورط في ثنائية تأييد الحكم، خدمة السلطان في مقابل الحماية والعوائد المادية والمعنوية أو بسبب التورط في شبكات رؤوس الأموال الخاصة المالكة لوسائل الإعلام والنشر والدعاية والممولة لبعض الأحزاب والمجموعات السياسية، علما بأن التداخل العضوى بين الحكم، السلطة وبين رؤوس الأموال الخاصة، الثروة في تصاعد مستمر.

في الأصل كان ابتعاد الصحفية، الباحث، الكاتبة، السياسي عن ادعاء احتكار الحقيقة وتجنب رفع الذات إلى مصاف الآلهة والشعور بالرغبة الدائمة في التطوير والتجديد المهني والعملي واكتشاف مساحات جديدة للدور. في مصر اليوم إدعاءات باحتكار الحقيقة تشغل الحيز الأكبر من المساحة العامة والإعلامية والسياسية، ادعاءات تأتي من المساومين على المبادئ، المتحولين، المتلونين، مدمني الاقتراب من الحكم والمتطلعين إلى عوائد ذلك المادية والمعنوية، خدمة السلطان، إدعاءات تأتي منهم قبل غيرهم وتضيف إلى مشاهد العبث واللامعقول المحيطة بنا.

في الأصل كان ازدراء الصحفية، الباحث، الكاتبة، السياسي لخطاب الكراهية ولمقولات العقاب، التشفي الجماعي ولنزع الإنسانية عن المغضوب عليهم من قبل الحكم، السلطة، وازدراءهم أيضا لتغييب النقد الذاتي وتحميل أزمات الذات، الداخل، الوطن على الآخر، الخارج المنظور إليه كدائم التآمر علينا. في مصر اليوم خطاب كراهية مرعب يستبيح الكرامة الإنسانية، ويخوض في الأعراض ويمارس تخوين المعارضين، المختلفين محتميا برضاء الحكم، السلطة، ولا يجد من يوقف جموحه أو يواجه تداعياته الكارثية الأخلاقية والمجتمعية والسياسية.

في الأصل كانت قيم التسامح وقبول الاختلاف والدفاع عن ضحايا الظلم وانتهاكات حقوق الإنسان والحريات والمروءة في الامتناع عن تبرير الظلم والانتهاكات بغض النظر عن التباينات السياسية. في مصر اليوم تعصب وتطرف يواجهه تطرف مضاد، ومروءة ضائعة ترتب الصمت عن الظلم وضحاياه أو التعاطى معهم بمعايير مزدوجة، وتشكيك متصاعد في المدافعين عن الحقوق والحريات والباحثين عن الديمقراطية من قبل «نخب» المساومين على المبادئ ومدعى احتكار الحقيقة.

ولا حول ولا قوة إلا بالله.

غدا هامش جديد للديمقراطية في مصر.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث