السيد والتّابع… بين البحرين

السيد والتّابع… بين البحرين

زهير قصيباتي

قد يقارن بعضهم بين نعي موسكو أمس الدولة الموحّدة في أوكرانيا، ونعي صدام حسين دولة الكويت ذات السيادة، بعدما غزاها جيشه عام 1990، فسجّل سابقة احتلال دولة عربية لدولة أخرى عربية، وسعيه إلى محوها عن الخريطة. ذاك الاحتلال بات من التاريخ، وشتان بين مغامرات الرئيس العراقي السابق وجموح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الذي يقضم أوكرانيا بالتقسيط، بعدما عزف ببراعة على أوتارٍ امبراطورية، مشهّراً بـ «نفاق الغرب».

والحال أن الكرملين يفرض بالقوة والحرب النفسية والضغوط الاقتصادية تفكيك أوكرانيا، عقاباً لها على «تمرّدها» ومحاولتها التخلص من دور الجُرم في الفلك الروسي. ودور موسكو في «تطهير» الحديقة الخلفية التي اخترقها الأميركيون والأوروبيون، لا يطرح احتمالات واقعية لقلق من اندلاع حرب مع الغرب، لذلك يكرر الروس تحذيرات من أن أوكرانيا دخلت نفق الحرب الأهلية. هي إذاً مرحلة جديدة بعدما طُويت مرحلة ضم القرم، وسجل الكرملين نجاحاً في الفصل بين مسألتي ضم شبه الجزيرة، والدعوة إلى نظام فيديرالي في ما تبقى من أوكرانيا لحماية «حقوق» الناطقين بالروسية.

وإذا كانت أزمة تجديد الحرب الباردة بما يوائم طموحات بوتين، الذي يظن أنه اقتنص اللحظة الحاسمة للثأر من «إذلال» غربي للروس بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، قد كرّست حشر أوروبا وأميركا في عجز مجلس الأمن، وإظهار الحلف الأطلسي واهناً مكتفياً بدور المراقب، فالأزمة ذاتها أتاحت لحليف الروس النظام السوري اقتناص الفرصة لتنشيط حرب إبادة. معها ايضاً يتفرّج الغرب ويندّد.

ومن البحر الأسود إلى البحر الأبيض المتوسط، مشروع حرب أهلية بعد انتفاضة الكرملين لحماية حقوق روس، وحرب إبادة لسحق كل من يطالب بحقوق في سورية. والسؤال هو: هل يثير بوتين مجدداً ارتياب النظام في دمشق بصفقة خطوطها بين البحرين، فيما استعراض كل الحلفاء «إنجازاتهم» في سورية وحربها يستفزّه؟

بين البحرين الأسود والأبيض، «حرب باردة» ساخنة تفكك أوكرانيا، وحرب إبادة طاحنة حصدت «ربع مليون شهيد» وفق تقدير أحد رموز النظام السوري، والذي تجاوز تقديرات الأمم المتحدة والمعارضين المسلحين في جبهات القتال.

لا وجه للمقارنة عملياً بين ظروف الأزمة الأوكرانية، وتحوّلات الثورة السورية، باستثناء ما يعتبره الكرملين نجدة لحلفائه في مواجهة «النفاق» الغربي، والتعطّش الأصولي للدم في الشرق. وهكذا تصبح الإبادة بالبراميل المتفجّرة ضريبة حتمية للخلاص من «كتائب التكفيريين والإرهابيين».

لكن جديد الحرب في سورية هو تسريع النظام اندفاعه عسكرياً لاستعادة مدن كبرى بعد سقوط القلمون، في مسعى للرد أولاً على «استفزازات» الحلفاء:

– الروس الذين شكّكوا ضمناً في شرعية أي انتخابات رئاسة ستضمن عملياً بقاء الرئيس بشار الأسد، لكنها «لن تكون شاملة».

– الإيرانيون و «حزب الله» الذين حرصوا على تظهير عدسة دورهم في «صمود» النظام السوري، أكثر من ثلاث سنوات، تارة دفاعاً عن المراقد وأخرى لصدّ أفواج التكفيريين، وثالثة حمايةً لحدود لبنان.

والنظام الذي لم يعد بإمكانه الاطمئنان إلى حسابات الحلفاء، وقد أظهروه عاجزاً عن حماية نفسه، لا بد أن تنتابه عوارض الخوف من طعنة خفية… فعدوى الفيديرالية إذا فرضتها روسيا على ضفاف البحر الأسود، واستنسخها الغرب على ضفاف المتوسط، لا بد أن تصبّ في قناة تفكيك سورية، وقبول ضمان موسكو الحماية لكيان علوي ذي منفذ على البحر.

وقد يكون من عوارض الرد على احتمالات الطعنة، هروب النظام السوري إلى أمام، بافتعال إشكالات مع دولٍ في الجوار، لذلك بدا للوهلة الأولى أمس أنه اخترق الحدود الأردنية، ليعيد خلط الأوراق، ويفرض حقائق جديدة على حلفائه، أقلها قدرته على توريطهم بهز «ثوابت» الحرب. لكنَّ التأكيد الأردني لضلوع مهربي سلاح استخدموا آليات، لا يحتمل اللُّبس. وعمان حرصت مرات على إعلان نأيها عن أتون الصراع في البلد المنكوب، واحتواء حوادث اختراقٍ من نوع آخر (تهريب متفجرات وسلاح من سورية إلى الأردن).

بين أوكرانيا وسورية، «الأخ الأكبر» هو دور لبوتين الطامح إلى نظام عالمي مختلف، يكون فيه سيّداً لا تابعاً للغرب ولقواعد الأمن الأطلسية، وشراكات مبهرة.

أما الطريق إلى «العالم الجديد» فمسألة أخرى، أبعد بكثير من أنابيب الغاز وشبكات الطاقة… أكلافها ما زالت مجهولة، كأثمان «التمرد» على «الأخ الأكبر» و «رعايته».

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث