الربيع العربي في ألمانيا

الربيع العربي في ألمانيا

خالد القشطيني

في جامعة كولون في ألمانيا، عقد قسم الدراسات العربية برئاسة المستعرب د. ستيفان مليش، مؤتمرا عالميا بعنوان «المقاومة الخلاقة – الفكاهة السياسية في الربيع العربي». شارك في المؤتمر الذي استغرق ثلاثة أيام، أساتذة وخبراء وإعلاميون ورسامو كاريكاتير من شتى البلدان حسب معرفتهم ومساهماتهم في الموضوع. كان بينهم رسام الكاريكاتير المصري محمد أنور.

بدأت مساهمتي بالإشارة إلى أن الربيع العربي هو بالذات نكتة. وكنت أول من أطلق عليه في هذه الصحيفة، «الشرق الأوسط»، اسم الشتاء العربي. بيد أن الدكتورة رندة أبو بكر، أستاذة الأدب المقارن في جامعة القاهرة، رأت أكثر من ذلك من فكاهات في الربيع العربي بما جاءت به من أمثلة من النكات اللغوية والتصويرية التي اكتنفتها تجمعات ميدان التحرير. رأتها الأستاذة الفاضلة في قالب الكرنفال. والمعتاد في الكرنفالات المداعبات والكوميديات والاستعراضات. وهذه ملاحظة ظريفة منها في هذه المدينة كولون، التي اشتهرت عالميا بكرنفالاتها المثيرة.

وحيثما يدور حديث عن الفكاهة من تنكيت وتبكيت، فأعطت الساحة للمصريات والمصريين. وهذا عملا بالقول الشعبي «اعط الخبز للخباز». ولكن البروفسورة رندة أبو بكر لا بد أنها شعرت بخيبة، وقد أخفقت ما أوردته من أمثلة كرنفالية كوميدية في إثارة الضحك بين المستمعين. ولكنني أستغل هذه الفرصة لأطمئنها. لا تأسفي ولا تحزني، دكتورة رندة، لقد كنت تتكلمين مع مستمعين ألمان، والألمان لا يضحكون! على الأقل هذا ما يقوله عنهم الإنجليز.

كانت الفكرة من هذا المؤتمر، كما خطرت للبروفسور ستيفان مليش هي إبراز دور الفكاهة في الثورات والانتفاضات السياسية عموما وحراك الربيع العربي خصوصا. وكان هذا بالضبط موضوع ورقتي فأشرت لهذه الظاهرة التاريخية، وهي أن كل الثورات الكبرى في التاريخ وفي مسيرة أمتنا العربية أيضا سبقتها حملات من النكات والكوميديات والفكاهات الساخرة التي تندد بالوضع القائم. فالثورة الفرنسية سبقها فولتير وروسو والثورة البلشفية سبقها شيكوف وغوغول وثورة 14 يوليو (تموز) 1958 في العراق سبقها فيض من القصائد والمسرحيات والروايات الساخرة. وكذا أستطيع القول بالنسبة لانتفاضة الشعب المصري.

ما العلاقة وكيف؟ قال الكاتب الروائي الإنجليزي الشهير جورج أورويل، إن كل نكتة سياسية هي ثورة صغيرة. فالنكتة السياسية تنبه المسؤولين إلى النقص والعيب في سلوكهم وحكمهم واستياء الجمهور منه، ومن ثم تحركهم لإصلاح العيب. ومن الناحية الأخرى تخرج بالمواطن من عزلته وقنوطه ويأسه وكشف له أن ما يعانيه يشاركه فيه الآخرون فتحفز فيه وفي الآخرين روح الوثوب المشترك وتحدي الظلم والفساد.

وبما في النكتة من ظرف ودغدغة نراها تساعد المواطن في التغلب على روح التشاؤم والسوداوية وتبعث فيه الحيوية وروح الأمل. ومن هنا جاء عنوان هذا المؤتمر: المقاومة الخلاقة. فالنكتة الساخرة تخلق في النفوس روح المقاومة. ولهذا آثرت أن أعتبرها جزءا من الجهاد المدني، الجهاد غير المسلح.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث