هل زالت المعمَّقات؟

هل زالت المعمَّقات؟

سمير عطا الله

تضع إدارة الفندق في نيويورك على باب غرفتك كل يوم ثلاث صحف: «النيويورك تايمز» والـ«وول ستريت جورنال» و«نيوز أوف ذا داي». ثلاثتها لها طبعات حول العالم. الأولى صحيفة أميركا الواسعة وأبرز كتابها. الثانية صحيفة المال ولغته. الثالثة أصدرها تد تورنر، مؤسس «سي إن إن»، على أساس أن تكون تلفزيونا ورقيا: اختصار. وعموميات، وبلا كتّاب، ومتفرقات من جميع الولايات، وأخبار كرة السلة.

أقرأ الحدث الأول في «التايمز» و«الجورنال». الافتتاحية غير الموقعة وبعض المقالات في الأولى. أقرأ الحدث وبعض المقالات في الثانية ولا أقرب الافتتاحية لأنها مكتوبة دائما بلغة المصالح والقوة والتحريض. الثالثة لا أطالع فيها حتى العنوان الرئيسي. هل أنا نموذج للقارئ القديم (في كل مكان وفي جميع الفنادق)؟ لا حاجة إلى التأكيد.

القارئ الجديد لا يملك الوقت ولا المزاج للمطولات. وهو في طريقه إلى هجرة الصحف الورقية بصورة تامة. وبعد سنوات لن تجدها على بابك حتى لو طلبتها. لكن هذه حقيقة جزئية. ما زالت تزدهر في العصر الرقمي الدراسات والمطالعات والمقالات والريبورتاجات المعمقة. «بوليتيكو» و«سليت»، أهم المواقع الرقمية، تكلف كتابها ومحرريها التركيز على المعمقات. الـ«نيويوركر» لا تزال تدفع المبالغ الكبيرة لكتاب التقارير الماتعة والصعبة. مجلة «لندن ريفيو أوف بوكس» الأدبية تدفع نحو 70 سنتا للكلمة في دراساتها الفريدة التي يصل حجمها أحيانا إلى عشرة آلاف كلمة.هل تربح؟ لا. إنها مدينة بـ23 مليون جنيه إسترليني لرئيسة التحرير، التي تحصل على المال من إرث تركه لها أهلها. ولكن بهذا الثمن تقدم لندن إلى العالم إحدى أهم الصحف المؤثرة في فكر النخب العالمية. جميع المجلات العربية الأدبية تحول إلى ذكرى ماضية، لأنها لم تجد مؤسسات أو ثروات يعنيها الأمر. ولكن إلى حد ما، أخفقت تلك المجلات أيضا في أن تفرض ضرورة البقاء. القاعدة الجوهرية في المقالات المعمقة هو «أنك عندما تقرؤها تشعر بأنك لا تستطيع أن تحذف منها كلمة واحدة».

يجب التوضيح هنا أن هذه المجلات لا تحصر اهتمامها في الكتب والأدب بل هي في الواقع صحافة عامة ولكن في العمق. ومعظم كتابها ذوو أسماء ذات مكانة في الأكاديمية أو السياسة أو الصحافة. بكلام آخر إن الذي ينقرض هو الورق، وليس الصحافة والمعرفة والغنى الثقافي.

كل ما هو مكتوب بماء الذهب سوف يظل ذهبا. على ورق أو على جدار أو على ضوء عجيب مذهل تحول من خرافة إلى رتابة يومية. طبعا، المعمقات ليست ذوق الأكثرية. ولكن هكذا كانت أيضا في زمن الورق والحبر والقصدير. غابت في القاهرة وبيروت مجلات أدبية نشأت عليها الأجيال. مثل هذه الأعمال تحتاج إلى وريث مثل رئيسة تحرير «لندن ريفيو»، يملك المال ولا يعوزه الشغف.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث