سيدة الهايد بارك

سيدة الهايد بارك

سمير عطا الله

كان محتملا جدا أن تراها، إذا كنت من سكان كنزنغتون. ترتفع نسبة الاحتمال كثيرا، إذا كنت مثلي، تقطع المنطقة مشيا كل يوم، تتفقد أنواع ومواعيد الزهور في «الهايد بارك» ثم تمضي نحو «هارودز» الذي كان يضم مكتبة «ووترستون». استبدل بها الآن أخرى أكثر «شعبية». عندما لمحتها في المرة الأولى، تمشي ببطء، تتطلع حولها في فضاء ضائع، لم يخطر لي أنها هي. فقد عرفتها فقط في السينما، يوم أنا يافع وهي «أجمل امرأة على الشاشة». بل كان يقال إنها «أجمل امرأة في العالم»، ولم يكن أحد يعترض على اللقب. ذات يوم كانت تمشي قرب منزلها في «أنيزمور غاردنز»، عندما قال لي صديق لبناني: هل عرفتها؟

صادفتها بعد ذلك غير مرة، وكنت أحني رأسي قليلا بالتحية وأمضي. فكم هو قاس أن تتجاهل مثل ذلك الألق الذي بدأ يخبو، كما قال المتنبي. لم يتعدَ فضولي التحية التي كانت تتقبلها بابتسامة خاطفة تعودت رسمها أيام الأضواء الماضية. الآن أقرأ في كتاب حديث «أفا غاردنر: الحوار السري»، واكتشف (بيتر إيفانز) أنها، في تلك المرحلة، كانت تمضي سنواتها الأخيرة في الشقاء الذي عرفته في سنواتها الأولى. بدّدت ثروتها وغرقت في الديون ولم يبقَ لها سوى مطلقها الشهير فرانك سيناترا، يسدد الفواتير وبعض المصروفات.

نشأت في منزل ريفي ليس فيه كهرباء ولا مياه، بناه والدها بيديه من أخشاب المزرعة التي يعمل فيها. عندما أصبحت في الثامنة عشرة، تقدمت إلى امتحان لشركة تطلب ممثلات. ذهبت إلى هوليوود مبتدئة متعثرة لا تملك سوى فستان واحد. وسرعان ما طغى جمالها على كل شيء.

لم تكن تملك أي موهبة أو ثقافة تمثيلية، لكن ذلك لم يكن ضروريا. «كوني جميلة واخرسي»، كما يقول المثل الفرنسي. أخذت تتنقل من فيلم إلى فيلم ومن زواج إلى زواج. لكن ذكريات الفقر في مزرعة نورث كارولينا ظلت تسكنها. وقد عادت إليها كلها، وهي تروي للصحافي بيتر إيفانز، مرارة الطفولة وموت الأب مبكرا ثم الأم مريضة. وعندما أصيبت بجلطة ولم تعد تقوى على المشي إلا على عصا رباعية، قالت له في حزن «من كان يعتقد أنه لن يعود لـ(أفا غاردنر) ما تفعله سوى أخذ الكلب إلى الحديقة؟!». وسقطت ذات يوم في «الهايد بارك» ولم يعد في إمكانها أن تقف، فقالت لكاتب سيرتها «واحسرتاه! الجمال ملقى على الحشيش بلا حراك!».

في النهاية، لم تعد أفا غاردنر تملك ما تبيعه سوى جواهرها وقصة حياتها. وقررت أن الجواهر تحمل لها ذكريات غالية، فلم يبق سوى أن تبيع قصة حياتها. الجزء الأول منها لا يحتمل لشدة ما هو حزين. والجزء الأخير لا يطاق لشدة ما هو محزن. أما الوسط، فأكثر درامية لأنه يظهر أين كانت وأين أصبحت، ومن ثم، أين صارت من جديد. سينما.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث