الفتاة والمشرَّد

الفتاة والمشرَّد
المصدر: سمير عطا الله
كانت الفتاة تهرع عائدة إلى فندقها تحت المطر، عندما استوقفها المشرّد يطلب مساعدة. بحثت في حقيبتها عن قطعة معدنية من تلك التي يتوقعها المشردون عادة فلم تجد. المطر ينهمر وهو ينتظر مادا يدا راحتها قاسية جعداء. أفزعتها ملامح وجهه وشعره الأشعث وأسنانه النافرة. ومن أجل الخلاص من الموقف أعطته ورقة خمسة دولارات، معتقدة أن ذلك سيفرحه. لكنه أخذ الورقة وقال: أنا في حاجة إلى 20 دولارا لكي أنام في مكان دافئ. تركت له الورقة ومضت مسرعة من لجاجته.
في اليوم التالي كان الطقس صحوا في نيويورك. خرجت الفتاة من الفندق فإذا بالرجل أمامها. حاولت أن تغير الطريق فاعترضها. أشاحت بوجهها عنه، فقال لها بصوته الأجش: أنا أنتظر هنا منذ ساعات لأقول لك شيئا واحدا. لقد تناولت أمس بفضلك أول عشاء ساخن منذ أيام طويلة! عندها تطلعت فيه الفتاة فرأته يبكي فبكت. وحاولت أن تمد يدها إلى حقيبتها، فقال لها: لا. كل ما أريده الآن هو أن تبتسمي. لم يكن في ودّي أن تبكي.

مضت مسرعة. عندما التقينا إلى الغداء، روت لنا، أمها وأنا، ماذا حدث أمس واليوم. قالت إنه في الأمس بدا هذا المشرد مثل وحش ثقيل يحتال متذرعا بالبحث عن نوم دافئ، لكنه اليوم، بدا على ما هو: إنسانا بائسا، قد يمضي كل عمره في هذا القفص البارد. قفص وسيع لكنه قابض وخانق. قفص اللامأوى.

عندما انتهينا من الغداء قالت ابنتي: والآن ماذا سنفعل؟ لم أعرف ماذا تقصد. قالت: الآن جاء دورك في أن تمنحه ثمن عشاء دافئ. لم يكن في ذلك المكان الذي يقضي فيه نهاره. هنا لا يمضي المشردون ليلهم في البقعة نفسها مثل فقراء كالكوتا. ينامون على أدراج بعض المباني في علب من الكرتون التي تستخدمها أنت لشحن الكتب. وبعضهم، كما أخبرتك يوم الرحلة إلى فلوريدا العام الماضي، بعضهم ينقل فقره ومتاعه من صناديق الكرتون إلى هناك، هربا من البرد والمطر وأشهر الثلج هنا.

تقول أغنية شارل ازنافور الجميلة: «البؤس أقل إيلاما في الشمس». لم يغنِ ازنافور مثل سواه للحب والعشق والهجر فقط. بل غنى أيضا للمشاعر الأخرى في أحوال الناس، دون أن ينسى المهاجر الأرمني ما عاناه في سنوات باريس الأولى. هكذا فعل الرحابنة في مسرحهم وأغانيهم، فحضر فيها الإنسان والتاريخ والشام والقدس والضياع.

كان التشرد عيبا في العالم العربي. صار الآن جزءا من يومياتنا. نتحدث عن ملايين التائهين وكأننا نتحدث عن أمر طبيعي متوقع. المفاجأة، يوم لا يكون هناك قتل وتشريد وفقر.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث